أوركسترا .. ومجزرة‏

 

-          تبوّل الأطفال رُعباً، وقَصفُ النّظام ينهال عليهم. بالوا رُعباً وهم يرون السلاح والسكاكين، قبل أن تُجَزّ أعناقهم. ماتو رعبا ثم جُزّت الأعناق، وظهرت بُقَع البول في صور المجزرة على ملابسهم البريئة. (الحولة، سوريا ، نهاية آيار 2012).

-           محمود السرسك، داعبَ الكُرة، تَقاذَفَها بقدميه سائراً في أزقة مخيم الشابورة، رفع رأسه إلى السماء، ضحك مِلء عينين فيهما صورة عروسه، وأمل "الاحتراف". باغته الفرح، وفتح ذراعيه يرقص زهواً، ويمّمَ شطر نابلس، مُحترفاً في نادي "بلاطة"، ويمّمَ خياله شطر ملاعب الكرة في العالم، وملأ حُلم زئير الجماهير تحييه، وقد أصبح لاعباً فلسطينيا محترفاً دوليّا، جسده بالأدرينالين. (غزة 2009).

-          عبدالباسط ممدوح الساروت، حارس مرمى نادي الكرامة، والمنتخب السوري، تاريخ الولادة 1992. (المصدر: ويكيبيديا).

-          مالك جندلي، مؤلف موسيقي وعازف بيانو سوري مقيم في الولايات المتحدة، مواليد ألمانيا،  1972. (ويكبيديا).   

-          اعتقل السرسك على معبر إيريتز وهو في طريقه إلى نابلس. تلقى أبوه اتصالاً هاتفيّاً، عرفت أُمّه بالأمر، وعروسه عرفت.. ارتدت أمّه السواد.

-          أصبح الساروت "بلبل الثورة"، استشهد أخوه، خَلَفَ القاشوش.

-          إبراهيم القاشوش، شاب سوري من مدينة حماة، نشط في قيادة المظاهرات وتأليف الشعارات المناوئة للنظام السوري وقيادته، بما فيه الرئيس السوري بشار الأسد شخصيا، وشقيقه ماهر، وحزب البعث، وإنشادها أمام الجماهير في ساحة العاصي، بقلب حماة، ومن بينها أنشودة (يلا إرحل يا بشار .(وفي خضم الحملة الأمنية التي نفذها الجيش السوري في أعقاب (جمعة إرحل)، 1 تموز 2011، والتي احتشد فيها زهاء نصف مليون متظاهر مطالبين بإسقاط النظام، ظفرت به قوات الأمن، ذبحته واقتلعت حنجرته، وألقته في نهر العاصي. فيما ذكرت الرواية الرسمية أن مجهولين قتلوه لأنه مخبر، ومثلوا بجثته، وشيعوه على أنه شهيد، لتأجيج الاحتجاجات الشعبية المناوئة. (ويكبيديا).

-          يُظهر تقرير تلفزيون فرنسي الساروت بجانب شخص يهتف "بدنا نبيد العلوية" (آذار 2012). يعيد التقرير للذاكرة اتهامات النظام لعبدالباسط بأنّه جهادي أصولي، وتستغرب الفنانة العلوية فدوى سليمان التي وقفت بجانبه مراتٍ تقود المظاهرات، وتقول " لم ألمس في نفوسكم نزعة طائفية"، ويقول صحافي "حاج نكذب على بعض، ما يحدث على الارض يجعلنا كلنا متشنجين، موتورين، متطرفين".

-          ينهي الأسرى إضرابهم وينهي المتضامنون فعالياتهم. ويبقى السرسك معتقلا. مضت ثلاثة سنوات، والاعتقال الإداري يُجدّد، لا توجد قضية معلنة أو أدلة؛ قالوا هو "مقاتل غير شرعي"، وانتهى الأمر، وانتهى اللاعب، وانتهى الحلم. رفض الإبعاد للنرويج، حيث لعب يوما مباريات مع منتخب فلسطين، ووقفوا هناك يتظاهرون تضامناً معه. لا يكسر إضراب الطعام، وربما يعود لأمه جثة، ولا أحد يكترث. (الزمان: هذه الدقيقة).     

-          يلتقط جندلي أهازيج قاشوش، ويصوغها في «سمفونيّة القاشوش». أردتُ كتابة مقال عنوانه "أوركسترا قاشوشية"، استعرتُ كُتباً عن علاقة الثورات بالموسيقى، ولكني لم أستطع مُجانبة مفردة "المجزرة". أردتُ كتابة تخليد أوركسترا جندلي أهزوجة قاشوش، والشارع الهادر، لتبقى جزءا من التاريخ وثقافة الحرية، ولكن المجزرة أقوى.

-          لاعب كرة أسير وإسرائيل تُعربد، وتسخر من اتفاق الأسرى قبل أن يجف حبره، والعالم يتفرج، وأم السرسك تنتظر ابنها الذي فقد كرته، وتخاف جثته. ولاعب كرة، بلبل ثورة، في زمن التيه، والنظام المجرم بقصفه ومجازره وسجونه وطائفيته، والمجرم بإصراره على البقاء حتى لو احترقت سوريا حروباً طائفية، وعصاباتٍ، وإرهابا، وأصولية، ما كان حقيقيا منها وما كان مزعوماً.   

-          يقول مريد البرغوثي: "نعيش "وجعا مزمناً" و"مقاومة مزمنة" منذ أكثر من قرن. شعراء العالم كتبوا شعراً مقاوماً لسنة أو سنتين، ثم عادوا لشعر الحياة العادية. كم سنة يقاوم الناس وكم سنة يكتب شعراؤهم شعراً مقاوماً؟ المقاومة الفرنسية لم تزد عن أربعة أو خمسة سنوات، عاد بعدها آرجون وإيلوار وسواهم إلى تجريبهم الشعري ولعبهم الجمالي على هواهم. نادرة هي الحالات التي قاوم فيها شعب مائة سنة كاملة". (ولدت هناك، ولدت هنا، 2009).

متى يرحلون.. ونعود للعب الكرة، وشرب القهوة، والغزل، والنظرّيات التنموية، والحياة، وعبادة الإعمار؟. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 1-6-2012

الارشيف