لبرالية محمد مرسي الموعودة!‏

 

بعد أن كال الكثير من التهكم والشتائم للراحل جمال عبدالناصر، أمام الطلبة الذين ولد غالبيتهم  قبيل أو بعد وفاته، قال المحاضر الجامعي وهو يغالب ضحكة شماتة: لو قلتُ هذا الكلام قبل عشرين عاما لضربني الطلبة بالزجاجات الفارغة. كان هذا أستاذاً إسلاميّاً في الجامعة الأردنية، نهاية الثمانينيات.

في القاعة ذاتها، قال أستاذ آخر (قومي)، عن عبدالناصر أيضاً: عارضته بشدة في حياته، ولكن يوم ذهبتُ للتعزية به في السفارة في دمشق، أغمي علي، وقد أدركت "أي فتىً أضعنا".

يوم كان مُحاصراً في المقاطعة في رام الله، بدأت اتصالات التعاطف معه تهطل على قناة "الجزيرة"، بعد سنوات من تعرضه للهجوم، وقال شخص عرّف نفسه بأنّه طبيب مقيم في لندن، أنّه لطالما هاجم ياسر عرفات، ولكن الآن وهو يرى حصار إسرائيل له أدرك كم كان مخطئاً.

التغير الجذري في المواقف يشمل النخب والجماهير، ودون أسباب موضوعية، ويكفي موقف أحيانا لحدوث دراما التغيير. تُستحضر انقلابات التفكير هذه ونحن نراقب الحملة الكبيرة، (ولا يمكن افتراض أنّها تمثل الأغلبية، في مصر)، وترى أن الاختيار بين الإخوان الملسمين وشفيق اضطراري، وكلاهما خيار محفوف بالمخاوف والشك.

أسباب كثيرة يمكن افتراض أنّها وراء هذه الحالة، بدءا من أداء الإسلاميين الانتخابي؛ ترددهم في طرح مرشح، والانقسامات في صفوفهم، وشخصية محمد مرسي، ومواقف فردية في البرلمان تركت أثرا مثل قصة صورة النواب النائمين، والنائب السلفي الذي ادعى وقوع اعتداء عليه وسرقة أمواله، ليتضح أنّه في المستشفى إثر عملية تجميل، وحوادث وأمور أخرى متناثرة قد لا يكون لها معنى سياسي كبير، ولكنها تركت أثر شعبيا.

أضف لذلك أنّ الثورة المصرية بصفتها تعطي الشارع والشباب القدرة على المبادرة، وبروز مرشحين مثل حمدين صباحي، وحتى عبد المنعم أبو الفتوح، جعلهما يبدوان بديلا ثالثاً، خارج ثنائية "النظام الفاسد" و"التنظيم الإقصائي". كما أنّ تجارب إسلامية كانت ذات شعبية يوماً ما تحولت لخيبة أمل كبرى. فإيران كانت تجسد مشروعاً إسلاميا سقط شعبيا على مذابح المذهبية والدكتاتورية الداخلية ضد الخصوم، وبدت تجربة حكم "طالبان" شبحاً يخاف منه كثيرون، ودموية "القاعدة"، وغير ذلك. 

نظّمنا إبّان حرب الخليج مطلع التسعينيات، في اتحاد طلبة الأردن مهرجانا في المدرج الروماني، بعمّان، دعونا له قيادات منهم راشد الغنوشي، وحسن الترابي، وقادة الحركة الإسلامية من أكثر من دولة، وتوافد الآلاف على المدرج الروماني، وفاضت بهم الساحات المحيطة. ولكن الضيوف تأخروا، وقيل لنا إنّهم في ضيافة الديوان الملكي. استعنا بأحد أساتذة "الشريعة" أصحاب الشعبية الكاسحة للحديث أمام الجمهور، ونجح الأمر، وبدأ الجمهور بالتفاعل، وحين دخل الترابي قال أستاذ الشريعة "إذا حضر الماء بطل التيمم"، وأفسح المنصة للشيخ القادم من السودان ليشعل المدرجات، التي كانت تراه قائدا ملهماً، حماسة. أين الترابي اليوم وأين تجربة السودان؟

تذكر إعلاميون أصدقاء، كانوا طلابا من الحركة الإسلامية، أمس "تحليلات" أساتذة إسلاميين يتحدثون في الإعلام أثناء حرب الخليج عن انتصارات ستأتي بها عوامل غريبة، ولم يحدث شيء. وذكروا لي أنّ أستاذ "الشريعة" ذاته ضرب رأسه بيده يوما استغرابا لمواقف الترابي الجديدة.

سأجيز لنفسي أيضاً طرح أمر يهمني شخصياً، فلسنوات كان وصف "اللبرالية" شتيمة، ولطالما اجتهدت لتوضيح أنّها موقف أخلاقي وإنساني، لا علاقة لها بفكرة الانحلال أو الكفر. وقبل أيام قليلة، وجدت محمد مرسي يناشد خصومه أن "نسبح معاً في تيار لبرالي حقيقي به سلام وأمن اجتماعي".

لا أناقش هنا الموقف من الإسلاميين، ومواقف الإسلاميين، وإنّما التغير المفاجئ في المواقف، دون أن أجزم بحجمه أو استمراريته. وأتذكر أنّ الأستاذ الذي أغمي عليه في عزاء عبدالناصر، بدل أن يحلل لنا حرب الخليج تحوّل لكتابة الشعر في صدام حسين.

هذه حالة متوقعة وطبيعية في عصر الدكتاتورية، والقمع، وعدم وجود دور حقيقي للمواطن؛ فهل تؤدي الديمقراطية إلى أن يُعمل الإنسان فكره ويصبح أقل اندفاعاً في التأييد والرفض، والتحول من تيار لآخر، أو يصبح الانتقال المتكرر طبيعيا طبقا للأداء السياسي لفترة محدودة، دون تكفير وتخوين باعتبار هذا سلوكا ديمقر

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 30-5-2012

 

الارشيف