سيرك خلف الجدار

 

وُلد من يبلغون من العمر عشر سنوات من أطفال فلسطين (الضفة الغربية) وجدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل يَسُد الأُفق، فلم يروا ما وراءه، أمّا من هم أكبر سنّا فقد حجب الجدار ذكرياتهم، أو وقف في وجهها.

في مشهد الختام لعرض "سيرك من خلف الجدار" تعتلي طفلة هرما بشريا، وترفع علما فلسطينيا يعلو الجدار، مبتسمة ابتسامة فخر وانتصار. ورسالة هذه الابتسامة كما أبلغنيها مؤسس السيرك "شادي زمرد"، "أننا قادرون"، وأننا "بوحدتنا عربا وفلسطينيين ننتصر".

بماذا يفكر طفل يرى في أحد عروض السيرك شابا يلبس قبعة يضربه آخر بيده على رأسه، فيمسك بالقبعة والكرات ويبدأ برميها بحركات بهلوانية أخّاذة، هل يرى في القبعة خوذة الجندي؟. هل تعلّمه الحركات كيف يهزأ بالجدار، والجندي، والحاجز، وممارساتهم. أليس هذا هو المعنى الوحيد للأطفال الذين صرنا نراهم يقارعون الجنود يوميّا بالاستهزاء بهم، وتحديهم؟!

يدرك القائمون على مدرسة سيرك فلسطين، التي تأسست عام 2006، أنّهم يساعدون الأطفال؛ فيخبرني "زمرّد" في محادثة هاتفية، نريد أن نعيد الأولاد للرصيف، والمجتمع، لا نريده معزولاً مأزوماً؛ نعرف ما يعاني من عنف وترهيب وضغط، نعرف أنّه يولد فيرضع احتلالا، وألما، وعنفا، وسياسة، واضطهادا. لا نريد له أن يتحول للعنف ضد أقرانه، وأن يعاني نفسيّا وعصبيّا. ويوضح أنّ ما يقومون به يستعين بما يسمى السيرك الاجتماعي، الذي يتضمن رسالة وهدف تربوي. ويضيف، لدينا طلاب من شمال الضفة إلى جنوبها، لدينا 34 طالبا وطالبة من قلب المدينة القديمة في الخليل، (من أصل قرابة مائتي طالبا وطالبة في المناطق المختلفة)، وهؤلاء معرضون للأذى، والخطر، والعنف اليومي، ويعيشون كل معاني وأذى الاحتلال، الفكري، والنفسي، والمادي، والديني. ويوضح، نريد تفريغ الضغوط وتحويلها إلى طاقة إيجابية.

تمزج عروض السيرك بين المسرح والتمثيل والرقص وحركات السيرك، بدءا من أول عرض لـ "سيرك خلف الجدار"، الذي عرض 38 مرة في مدن أوروبية، ليعرف المشاهدون معاناة الطفل والإنسان في فلسطين. عرض آخر عنوانه "لوين" تناول قصة غلاء المهور، وكيف يبيع البعض أرضه للأجنبي، ويتنازل، ليتجاوز ضغوط الحياة المادية، ومنها متطلبات الزواج. وفي عرض آخر يتعلم الأطفال إعادة تدوير القمامة، وكيفية التعامل مع الموارد الطبيعية، وفي عرض آخر علاقات الأستاذ والطالب.

بات السيرك جزءا من فعاليات المجتمع الفلسطيني، من يوم اليتيم، ومهرجان الربيع، واحتفالات الطلاب.. كان عنوان آخر العروض "أحلام للبيع"، ولعل الرسالة أنّ أحلامنا ليست للبيع.

طبيعي أن لا يبالي أرباب حزب "الكنبة" أي الذين يجلسون على مقاعدهم خلف شاشات التلفاز والحاسوب، وقمة نضالهم مهرجان هنا، ومحاضرة هناك، ورسالة على "الفيسبوك"، ويتساءلون هل هذا ما تحتاجه فلسطين؟ ويسخرون: هل ستتحرر فلسطين بالسيرك؟

وليس غريبا أن تؤمن برسالة السيرك شخصية وقامة سامقة مثل د.حنا ناصر، مؤسس جامعة بيرزيت، ليتبرع للمدرسة ولمدة 15 عاما بمبنى عريق في مدينة بيرزيت، يكون مقرا السيرك.

سألت شادي هل ستشاهد عرض سيرك "دي سو ليه" الكندي؟ فأجاب: لا. سألته لماذا؟ قال: وصلتني دعوات، ولكن من حقنا أن تأتي فرقة كهذه لترانا على معبر قلنديا، وترى الجدار، والحواجز والمخيمات، والمعاناة، لا أن تذهب للعرض في دولة الاحتلال.

سيرك دي سوليه، شركة كندية، يعمل فيها 5 آلاف شخص، تجوب العالم في عروض مختلفة. يتوقع أن تعرض صيفا في تل أبيب (تل الربيع). وكما أخبرني قريبون من صناعة السيرك، أنّ مثل هذه العروض تدر ملايين الدولارات على دولة الاحتلال، حال عرضها هناك، على شكل ضرائب، ورسوم، وأرباح. وأنّها يمكن أن تجذب سيّاحا من دول أوروبية قريبة.

أرسل ناشطون وناشطات رسائل إلى "دي سوليه"، يطالبونها بالامتناع عن هذه العروض، ويهددون بمقاطعة عروضها المقررة في عمّان، وسيدعون لمقاطعتها إذا مضت في عروض تل أبيب. خاصة أن "دي سوليه" تقدّم نفسها متمثلة المسؤولية الاجتماعية، والمواطنة الصالحة، وجزءا من مواجهة حالات الفقر التي يعانيها الأطفال، وتأكيد حقهم في التعليم، ومن أجل أهداف منها مصادر مياه نظيفة، أي كل ما يتناقض مع فكرة الاحتلال وعنصريته.  

نشر في الغد الأردنية تاريخ 25-5-2012

الارشيف