البلقان .... أصدقاء إسرائيل الجدد؟‏

 

تتجه إسرائيل التي يعتبر كثيرٌ من سياسيي ودبلوماسيي العالم، وزير خارجيتها، أفيغدور ليبرمان، شخصية منفرة، إلى البلقان، لصياغة تحالفات في وجه تركيا وإيران، وتُحقق إسرائيل مكاسب مهمة من العلاقات في هذه المنطقة، ولكن ثمّة عوامل تُقلّل من احتمال تحول هذه التحالفات إلى علاقات دائمة، ذات أثر استراتيجي بعيد المدى، أو إلى مواجهة مفتوحة مع تركيا.

 دول البلقان: ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا، واليونان، وكسوفو، وماكدونيا، والجبل الأسود، وتعتبر كرواتيا، وصربيا، وقبرص جزءاً من شبه جزيرة البلقان، حتى لو لم تكن كذلك تماما جغرافيا.

تاريخيا كانت إيران، وتركيا، وإثيوبيا، وباكستان دول حليفة لإسرائيل، خسرتها تباعاً، فإثيوبيا 1974 بفضل ثورة ماركسية، ثم ثورة إيران 1979، ثم باكستان في التسعينيات، والآن الخلاف مع تركيا. فيما كانت يوغسلافيا يوما حليفا للعرب، وكان رئيسها جوزيف تيتو، صديقا  للرئيس المصري جمال عبدالناصر، وكانا يقودان دول عدم الانحياز، فيما كان شاه إيران عدو عبدالناصر.

يحلو لكثير من الفلسطينيين والعرب تخيل تحالف إسلامي إيراني – تركي – عربي، تنضم إليه باكستان ودول أخرى ضد إسرائيل، وإذ يبدو هذا حلما مستبعدا لآخرين، تبدو إسرائيل كمن يوجد مبررات لقيام هذا الحلف، بمواصلتها البحث في التاريخ عن أعداء الأعداء للالتقاء معهم، خصوصا مع توسّع الدور التركي وصعوده. ويرى جوزيف أولمرت، الأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا، أنّ  تحرك إسرائيل في البلقان "يتعلق إلى حد كبير بإرث الصراع، إبّان الإمبراطورية العثمانية في الدول السلافية والمسيحية الأرثوذكسية في البلقان"، ولعل فكرة الدول المسيحية الأروثوذكسية، تُوضّح كيف تدخل روسيا المشهد، بناء على الإرث، والجغرافيا الاستراتيجية، لعلاقات الدول المسيحية الأرثوذكسية ببعضها.

لا يستثني الجهد الإسرائيلي دولا مسلمة كليّا أو جزئيا، فرأينا البوسنة تعرقل قبول فلسطين في الأمم المتحدة، ورأينا، قائد ألبانيا المسلمة يزور إسرائيل، ويتحدث في الكنيسيت العام الماضي، ويعارض عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، وتلخص "يديعوت أحرنوت" الموقف بالقول "عندما يتحدث رئيس وزراء ألبانيا صالح بيريشا عن إسرائيل، قد يخطئ المستمع ويعتقد أنّ المتحدث قائد صهيوني (...) جزء من حزب الليكود، أو إسرائيل بيتنا". أحد أهم تفسيرات هذا الانحياز وجود عداء بين ألبانيا وإيران، والعضوية في حلف "الناتو".

ساعد الشعور بخيبة الأمل لدى اليونان والبلقان، إزاء عدم اتجاه استثمارات عربية إليها، الدبلوماسيين الإسرائيليين بالعثور على ثغرات للنفاذ منها، أضف لذلك صفقات السلاح الإسرائيلية لهذه الدول، وهناك الآن مصادر الطاقة في البحر المتوسط، التي توجد مصلحة يونانية، قبرصية، إسرائيلية مباشرة في التعاون ضد تركيا، وتُحوّل إسرائيل لمصدر محتمل للطاقة لهذه الدول، خصوصا رومانيا وبلغاريا.

ترتفع التجارة بين إسرائيل ودول البلقان، وبعض المشاريع المحتملة ذات بعد استراتيجي، فبلغاريا مثلا تصدر المياه إلى رومانيا واليونان، وتهتم إسرائيل باستيراد المياه البلغارية.  

يتكامل التوجه نحو البلقان مع التحرك نحو شرق أوروبا وروسيا، فالتحالف مع اليونان يبدو مشفوعا برعاية روسية، فقد التقى رئيس وزراء اليونان السابق، جورج بابندريو، نهاية العام الفائت رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، مرات عدة، بعضها في موسكو، لمناقشة مستقبل استثمارات الطاقة في المنطقة. وهناك اتفاقية تعفي مواطني بعض دول البلقان من الحصول على تأشيرة دخول لإسرائيل، مثل صربيا، مقابل إعفاء الإسرائليين بالطبع. ووقعت اتفاقيات تجارة حرة بين إسرائيل وبعض هذه الدول، مثل بلغاريا 2001.

من أهم الأسباب التي تقلل نسبيا من أهمية الخطوات الإسرائيلية تجاه البلقان، أنّ هذه الدول مقارنة بتركيا وإيران، أكثر ضعفا، وتعاني أزمات مالية ضخمة مثل اليونان، وسياساتها متغيرة بحكم أزماتها، ولكثير من هذه الدول مصالح استراتيجية في أنابيب النفط مع تركيا، بل إنّ مصالح إسرائيل وتركيا التجارية لم تتأثر حتى الآن بالخلافات السياسية.

تبرع إسرائيل في كسب الوقت، وتحقيق مكاسب وانتصارات، واغتنام الفرص مهما كانت صغيرة، في إنشاء تحالفات، حتى وإن كانت قصيرة المدى، توظفها لكسب معارك تكتيكية، وتضع أساساً لما قد يصبح انتصارات استراتيجية مستقبلا، وبهذا فإن عدم المبالغة بأهمية تحركات إسرائيل البلقاني.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 24-5-2012

الارشيف