سريالية القدس: فشل صهويني ونزيف عربي


ما يحدث في القدس، مع اقتراب الذكرى الخامسة والأربعين لاحتلال الجزء الشرقي منها، يوضّح حالة العبثية المحيطة بها. ليس من الجانب العربي فقط، بل وبين اليهود أنفسهم، والعبثية هنا تعني تشتت الجهود، وفشل السياسات، والنتيجة مدينة تملؤها القذارة والفوضى والأمراض الاجتماعية، والصراع. لم ينجح الاحتلال في تهويدها، أو سار التهويد فيها معاكسا لهوى الصهاينة. بينما تُستنزفُ عروبتها، رغم الصمود.

في المشهد من الزاوية الفلسطينية/ العربية؛ كشف تقرير صدر قبل أيام عن جميعة الحقوق المدنية في إسرائيل، أنّ نسبة 84% من الأطفال الفلسطينيين يعيشون في المدينة تحت خط الفقر، وبسبب نقص عدد الغرف الصفية فإنّ 40% من الطلبة الفلسطينيين يتسربون من التعليم قبل وصول الثانوية العامة. ويتكدس العرب في بيوت ضيقة، ويُمنعون من البناء؛ فبحسب إحصائيات عام 2009 كان 22% من المنازل التي يسكنها اليهود، فيها شخص واحد، بينما النسبة 4% في حالة البيوت العربية. وفي البيوت التي يسكنها 7 فأكثر كانت النسبة 1% بين اليهود، و29% بين العرب.

في المشهد العربي أيضا، انشغل كثيرون في الأيام الفائتة بموضوع زيارة القدس، وهو موضوع نظري في جزء كبير منه، لأنّ الغالبية العظمى من العرب لا يسمح لهم بزيارة القدس، ولا يزورنوها إنْ استطاعوا، لأسباب سياسية، وأمنية، واقتصادية كثيرة، وقد صدر في الأيام الفائتة أو أُعلن عن صدور كتب، وتنظيم مؤتمرات وندوات، (وليس مجرد مقالات) تناقش موضوع زيارة القدس، منها ما يؤيد ومنها ما يعارض، دون نتيجة عملية متوقعة للنقاش، فقرار الزيارة بيد إسرائيل، وإسرائيل لن توافق على تدفق عربي وإسلامي للمدينة بأي حال. وفي الوقت نفسه مرّت المظاهرات الصهيونية في القدس أول أمس، واجتياح باب العمود، وأحياء المدينة، من مسيرة "أعلام إسرائيلية" وسط إغلاق المحلات التجارية العربية بقرار الجيش الإسرائيلي، دون ملاحظتها تقريبا في الإعلام العربي، فقد غابت المسيرة واقتحام عشرات المستوطنين للحرم الشريف عن نشرات الأخبار الرئيسية في العالم العربي، المنشغلة بقضايا الربيع العربي.

إلى ذلك وعلى الجانب الإسرائيلي، فإنّ المدينة لا زالت موضوعا للانقسام والجدل الداخلي، كما لا زال الفشل في إدارة المدينة ظاهرا؛ ففي تقرير أصدره معهد القدس للدراسات الإسرائيلية، هذا الأسبوع، أنّ "القدس لا زالت المدينة الأفقر في إسرائيل"، ونحو 33% فقط من الطلاب الإسرائيليين يصلون التعليم الثانوي، والسبب الرئيسي في هذا أنّ عددا كبيرا من العائلات اليهودية الأصولية (الأرثوذكسية) ترفض تعليم أولادها التعليم الحكومي الرسمي. وبحسب مقال كتبه الحاخام اليهودي شمولي ينكلويتز، والمحاضر في جامعة كولومبيا الأميركية، والذي وصفته مجلة نيوزويك الشهر الفائت بأنّه أحد الحاخامات الأكثر تأثيرا في الولايات المتحدة، فإنّ "القدس تصنّف بأنّها واحدة من أكثر المدن فساداً في العالم، وقد اعتقل أكثر من رئيس سابق لها بتهم تتعلق بالفساد. وتعاني ضعف سلطة القانون، وعدم احترام الحد الأدنى للأجور، والإتجار بالبشر، والتعذيب،...إلخ".

تبلغ نسبة الفلسطينيين في المدينة نحو 38% وعددهم نحو 360 ألفا، مقارنة بـ 26% عام 1967،  وفشلت كل سياسات إسرائيل في تهويد المدينة. وواقع الأمر أن الزيادة الطبيعية من خلال الولادات تكاد تكون متساوية بين الجانبين، خصوصا مع ارتفاع الخصوبة في الأسر اليهودية المتدينة، ولكن ما يصنع الفرق هجرة اليهود من المدينة؛ فهناك اتجاه دائم ومتزايد ليهود يهاجرون من المدينة، أكثر ممن يدخلونها، والسبب أولا هرب العلمانيين من الأصوليين، والثاني قلة فرص العمل، وفقر الخدمات والنظافة في المدينة. فقد ترك القدس نحو400 ألف يهودي، ما بين عامي 1980 و2010، بينما انتقل إليها نحو 285 ألفا.

وجاء في مقال في صحيفة جيروزالم بوست، عام 2005 "القمامة والقذارة تملأ شوارعنا، (...)، ويمتد الفقر في أحيائنا كالطاعون، والنزيف (السكاني) للضواحي وتل أبيب وما حولها يستمر".

 القدس ليست صهيونية كما حلم الصهاينة بها، فهي رمز انقسام يهودي داخلي، وقد تحولت بسبب الجدار والطرق الالتفافية إلى مدينة غير طبيعية بأي مقياس حتى بالنسبة لليهود. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-5-2012

الارشيف