"اللقاء على أرض المعركة"

 

يُسجّل لرئيس المكتب السياسي، لحركة "حماس" خالد مشعل، التقاطه ما قد يكون نقلة فكرية مهمة، في عملية مواجهة الاحتلال، يتبناها الناشطون الفلسطينيون، على اختلاف مرجعياتهم، فقد كشف عن بعض تفاصيل الاتصال بينه وبين الرئيس محمود عباس، رئيس حركة "فتح"، لتنسيق موضوع التضامن مع الأسرى، ولكن أهم ما قاله، وذلك في لقاء مع قناة "الجزيرة"، فكرة أنّ المرحلة المقبلة للعمل الفلسطيني، يمكن أن تتضمن حملات مكثفة ضد أهداف محددة، تحشد الها القوى الوطنية، وتسخر الجهود الدولية، وفق أسلوب الحملات. وذكر الاستيطان، وتحرير الأسرى، وقضايا أخرى بينها.

ما حدث في الأيام الماضية من تفاعلات أسفرت عن توقيع اتفاق جديد بين إدارات السجون والأسرى، لتحسين ظروفهم المعيشية، وإعادة النظر في موضوع الاعتقال الإداري، والحجز الانفرادي، يحمل الكثير من الدروس، وفيه ما قد يكون بدايات حراك جديد، بل ونهج جديد على مستوى العمل الفلسطيني. ولكن هذا لا يعني أنّ الصورة إيجابية كليّا، فمن الدروس ما يتعلق بسلبيات.

أهم ما سجله الاتفاق، أنّ الأسرى وجدوا أن لا مناص أمامهم إلا العمل معاً، فمسألة الانقسام في الخارج لا يمكن أن تستمر في الداخل. وبما أنّ التصنيف الفصائلي واضح تقريبا في المعتقلات فلم يكن ممكنا أن ينكر فصيل وجود آخر، وكان لا بد من عمل الجميع معاً، حتى وإن كان هناك من يريد من خارج المعتقلات استخدام ملعب الأسرى لتسجيل نقاط فصائلية، بدل اللعب ضد المرمى الإسرائيلي. 

عمليا ارتفعت أعلام "فتح" في غزة، وأعلام "حماس" في الضفة الغربية. من يُمكن أن يمنع أم أن ترفع علم ابنها الحمساوي الأخضر، وهي تتظاهر لأجله وتضرب عن الطعام في رام الله؟ أو عجوزا ترفع العلم الفتحاوي الأصفر في رفح؟.

في تعقيبه على مقالي أمس، وصف الناشط الفاعل في تجمع شباب ضد الاستيطان، في الخليل، كيف انتهت مسيرة  "مشاعل العودة والأسرى" هناك، بوحدة وطنية بين الفصائل، وعمل الجميع معاً. وتشكل مسيرة الخليل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه العمل الفلسطيني مستقبلا؛ فالناشطون من كل الفصائل في الخليل، عملوا الأسبوع الماضي على ثلاثة أهداف رئيسية، أولها وأكثرها تحديداً المطالبة بإخلاء بيوت بعينها من المستوطنين، ومن يعرف الخليل يدرك أنّ إخلاء هذه البيوت يُفسد مخططا استيطانيا كاملا، لأنها تقطع الطريق على خطة إيجاد بؤر استيطانية متصلة مع بعضها، تحول أهل الخليل إلى جزء معزول. والهدف الثاني أكبر، وهو التضامن مع الأسرى، والهدف الثالث الكبير، هو "العودة" ورفض النكبة وما جرّته من لجوء. هناك إذا أهداف محددة مرحلية، تُخاض لأجلها معارك، ولكن هذه الأهداف جزء من الهدف الأساسي، بعيد المدى، وهو تحرير فلسطين وعودة اللاجئين.

لا أجد كثيرا من الاختلاف بين طرح مشعل، وطرح الشباب في مجموعات مناهضة الجدار والاستيطان في مناطق مختلفة، وهؤلاء من فتح، واليسار، وحماس، والجهاد، وهو ذات طرح المقاومة الشعبية، الذي يدفع كوادر فتحاويون كثر باتجاهه، وتبنته مؤتمرات "فتح".

نشرت "هآريتس" قائمة باتصالات ورسائل تلقتها الحكومة الإسرائيلية، من قبل الأمم المتحدة، والرباعية الدولية، وجمعيات الأطباء الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، ودور المخابرات المصرية، والقيادة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحكومة غزة، وجهات أخرى، كان واضحاً أنّ استشهاد أسير يمكن أن يقود إلى انتفاضة عارمة، وأنّ تواصل الوضع سيضع إسرائيل أمام كارثة دبلوماسية.  

دون الدخول في التفاصيل حاولت قوى داخل فصائل مختلفة أثناء وبعد الاتفاق أن تستغل المناسبة لادعاء الفضل منفردة أو على الأقل لإقصاء الشركاء الآخرين من المشهد. مثل هذا النهج سيواجه غالبا أزمة أنّ نهجا جديدا يتطور فلسطينيا، هو أنّ اللقاء يحدث على أرض المعركة، ووفق تدبير واتفاق القيادات الميدانية، التي تتحمل عناء المواجهة اليومية مع الاحتلال، يؤازرها متضامنون حول العالم، بعيدا عن التنظير ومسؤولو إعلام الفصائل، وعن المسكونين بالبحث عن الخلافات والتناقضات الثانوية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-5-2012

الارشيف