قائد يليق بالثورة


كان جنيناً، عام 1978، وكانت "الجهاد الإسلامي"  بقيادة فتحي الشقاقي في طور الولادة. كانت بمثابة مأسسة وتنظيم للتيار الإسلامي الفلسطيني في إطار الكفاح المسلح. وكانت انطلاقة الجهاد الحقيقية، بعد العام 1982، عندما ظنّ العالم أن المقاومة انتهت بعد غزو بيروت، فعادت لهم من الداخل، فينيقاً ينتفض من تحت الرماد.

كان طفلا عندما عادت أو انتفضت الثورة في الدخل على يد شبيبة خليل الوزير، ومنهم أبو القسّام، مروان البرغوثي، وبرزت الأطر الجهادية، والتنظيمات الإسلامية، سرايا الجهاد، والجهاد الإسلامي، وحتى تكتمل الأسطورة يأتي شيخ مُقعد، أحمد ياسين، مع أطباء ومهندسين، فيؤسسون "حماس"، ويبعثون اسم عزالدين القسّام، كتائباً.

وبينما يُفارق الطفولة إلى الفتوة، كان يرى "الفهد" أحمد عوض كميل، (قائد مجموعات الفهد السود)، ومعه "الفهد" فيصل أبو الرب، يأتيان من قباطية المجاورة إلى قريته. يراهما يُطلقان النار من منصّات عرّابة جنين، فيسكن الحلم عينيه وقلبه. ويرى المطاردين، ويعيش الاعتقالات والملاحقة والبطولة.

بعد أن أصبح مجاهداً في صفوف الجهاد الإسلامي، وزار المعتقلات، ربما شاهد فيصل أبو الرب هناك، وهو يقوم على العناية بمظهر المعتقلين، فيقوم بدور الحلاق في المعتقل لزملائه، وقد مضى على اعتقال هذا الفهد الآن 21 عاما، وربما جاءه أبو العوض، يوماً وهو مسؤول الطعام في المعتقل (المردوان) سأل إن كان لدى زنزانة طعاما يقدمونه لأخرى، وقد قضى هذا القائد الفتحاوي 19 عاماً في المعتقل حتى الآن.

 من المنطقي، بل ويجب، أن يكون خضر عدنان بطلعته البهية وبعينيه اللتان سمعتُ الشعر يُقال فيهما بالإنجليزية في قلب لندن، مختزلا جامعاً لكل أطياف التجربة. ومن الطبيعي أن نراه ونسمعه يتحدّث في كلمته قبل أيّام عن أبو العوض، وأن يشيد بأسرى الجبهة الشعبية بشكل خاص وتضامنهم مع هناء الشلبي، وأن يذكر الأسرى بأسمائهم وفصائلهم.

يخبرنا خضر أنّ الاسرى أُنهكت قواهم، ولا يقوون الآن على الحراك، وأنّ "المنوف" وهي الكلمة العبرية للرافعة، تستخدم لرفعهم لقضاء حاجاتهم لعدم تمكنهم من ذلك. أخبرنا عن 8 أسرى مشلولين يشاركون بالإضراب، تعتبرهم إسرائيل خطراً على الأمن القومي.

خضر، وبلال ذياب، وثائر حلاحلة، وباقي قادة الأسرى، هم القادة الجدد. ليس بسبب تضحياتهم فقط، بل لأنّ أمثال عدنان يقدّمون نهجا جديداً يليق بالثورة ويجسّد معناها الإنساني.

خضر عدنان، الإسلامي بلا مساومة، من فصيل الكفاح المسلح الصلب، يقدّم فكراً استراتيجيا. يَرفُض أي انقسام وطني، فيخطب في الجماهير "مجرم من يقول إنّ فتح تراجعت"، وهو يتحدّث عن الكوادر التي عاش معها في المعتقلات وفي النضال. فيوصي أسرى فتح الثلاثة آلاف، أن يتوزعوا إلى قسمين، "النصف الأول يطلق الرصاصة الأولى في نعش الأَسر، والثاني يطلق الطلقة الأخيرة"، أي يرى تجزئة الإضرابات. وهو يتحدّث من واقع خبرة، فيقترح تقسيم الإضرابات إلى مراحل، فعشرة أشخاص برأيه يمكن أن يقودوا إضراباً يؤدي لحراك كبير. ما يُفكّر به أمثال خضر يصل حد تحدي فكرة الأسر كلها، وليس ظروف المعتقل فقط، لذلك يتمنى لو توزعت القوات على مراحل المعركة.

الأمر الثاني الذي يقدّمه خضر ونحتاج ترجمته للعالم هو صوفية ثورية مدعومة بالحق؛ فيقول عن أهل بلدته إنّ "الحب الذي في عيونهم قهر الاحتلال". وبالنسبة له "الحب، بعد الله، هو السلاح الأول والاخير". أخبرنا كيف طلب من عاملة النظافة، في المستشفى، حيث سجنه الإسرائيليون أثناء علاجه، وهي فلسطينية من قرية طوبا الزنجرية، أوصلي سلامي لإمام مسجد قريتكم، الذي أحرقه الصهاينة، وأوصيه أن يدعو لي، فردّت "كل أهالي طوبا الزنجرية تدعو لك". يخبرنا أنّه، وهو يقترب من حافة الموت، يدخله ويخرج منه، "رأيتُ محبة لا توصف، رأيت جبل الجرمق شامخاً يقول إيّاك يا خضر أن تركع، رأيت صفد، رأيت أرض كنعان، رأيت العروبة وسوريا ولبنان".

ليس هذا بخطاب رومنسي وحسب. لقد درس وحلل بندكت أندرسون، مؤلف ما قد يكون أهم كتاب في علم الهوية (مجتمعات متخيلة)، مثل هذا الخطاب، وأوضح كيف أنّ حديث الأرض، والأم، والحب، من أهم مقومات حركات التحرير، الجامعة لأبناء وطن واحد.      

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 10-5-2012

الارشيف