رسالة كنزة إلى وليام

 

تسمّرت قدماي وأنا جالس على طرف السرير، وألح عليّ التفكير في شخصين، كأنما رافقاني من المنام. الأول أبو علاء منصور، وفسرتُ الأمر بتزامن ذلك مع قراءتي كتابه "عبور النهر". ولكن لماذا جاء معه وليام نصّار تحديداً؟ وحاولت ربط الأمر بوجودي في مراكش، وزيارتي للحي اليهودي بالمدينة، في اليوم السابق. وهناك تحدثت إلى بريطاني يهودي، قال لي إنّه يُعتبَر فلسطينيا، لأنّ عائلته هاجرت من الأندلس إلى فلسطين في القرن الرابع عشر الميلادي، قبل هجرتها إلى المغرب، ثم إلى بريطانيا قبل نحو مائة عام. كان وليام ضمن المجموعة التي حاولت مع ياسر عرفات إشعال انتفاضة في الأراضي المحتلة عام 1967، واعتُقل بعد تنفيذه عمليّات هناك. سألتُ عنه يوماً صديقاً، فقال: لا أعرفه شخصيّا، لكني وآخرين في الحركة الأسيرة درسنا في السجّون المواد التي كتبها لإرشاد الأسرى.

وبما أنّ وليام مسيحي الأب، ويهودي الأم، تساءلت هل هذا هو سبب تفكيري فيه؟. أم هو إضراب الأسرى ونزيفهم غير المتوقف؟!

بينما أسيرُ في مراكش، لمحتُ على زاوية أحد التقاطعات، فتيات، يرفعن على دّراجات أعلاما فلسطينية ومغربية صغيرة. تجاوزتهن متسائلا في داخلي، هل هن فلسطينيات؟

 عدتُ، ألقيتُ التحية، وسألتهن، فأوضحن: كان هناك مهرجان للرقص الشرقي "بمشاركة صهيونية"، وقمنا بالاحتجاج، فاستجاب رئيس الحكومة، وأوقف المهرجان. وننظّم اليوم مسيرة للتوعية بقضية فلسطين. وأشرن إلى مجموعة شباب قريبين، وذكرن أنهم سيخبرونني المزيد.

بعد دقائق من وقوفي معهم بدأت أعرف قصصهم الشخصية؛ عن مغنّ يعيش في أميركا، ولديه أسطوانة عنوانها "الإسلام هو الحرية"، ويؤلف له شقيقه المقيم في ألمانيا جزءاً من الأغاني. وبينما يشرح لي الشاب الذي يقود "اتئلاف مغاربة الانتفاضة" كيف أنّ الفعالية تجمعهم مع الفرع المغربي لحملة المقاطعة العالمية BDS، ارتفع صوت الفتيات في نقاش صاخب مع رجل شرطة. كنّ قد أخرجن علما فلسطينيا مساحته أمتار عدة، وربطن عُصابات رأس خضراء، كالتي يرتديها عناصر "كتائب القسّام".

التقطنا معا صورا، حاملين أعلاماً، والمغني، يغني بلهجته المغربية، موجهاً صوته للشرطي القريب، "أنا مغربي .. ونحب فلسطين ... وشو المشكل؟".

بعد عصر اليوم ذاته، افترشنا الرصيف، بين أيديهم كتبٌ عن الشيخ أحمد ياسين، وحماس، والانتفاضة، وديوان شعر. كانت المناسبة فعالية عامة لتشجيع القراءة، ولكنهم أتوا بكتب عن فلسطين تحديداً للقراءة.

سردت كنزة قصتها: استيقظتُ ليلا، وفتحت التلفاز، كان أطفال غزة يُقتلون. بقيتُ متسمّرة حتى موعد المدرسة. لبستُ السواد، ولم تتوقف دموعي. سألها أستاذ الفلسفة عن الأمر، فأجابَته "إخوتنا". احتار كيف يساعد طالبته، فأرشدها إلى مسيرة تضامنية. قالت، وهي التي تدرس الحقوق الآن، "أراحتني المشاركة، ولكن حياتي انقلبت رأساً على عقب منذ ذلك اليوم". أمّا فؤاد فيقول "رضعنا فلسطين مع الحليب، أُسَرُنا أخبرتنا عنها". وحدثني عن تنظيمهم أول مسيرة لدعم فلسطين في الصف الرابع الابتدائي.

حدثتني بديعة عمّا سمعَتهُ من طبيب عائد من غزة، ومشاهداته هناك، فدرسَت الطب.

اتجاههم الإسلامي واضح، وأجد موضوعات أجادلهم فيها. يتعاونون مع التيارات السياسية المختلفة، ما دامت البوصلة فلسطين.

عنونَ وليام نصّار سيرته الذاتية، بـ "تغريبة بني فتح"، عرفنا معاناته، وأَسرَه، ومرافقته لياسر عرفات، ثم عمله خياطا لحافظات أقلام قماشية، حينا آخر، ليجد دخلاً يعيش منه. وعرفنا قصة عودته وإكمال تعليمه العالي لاحقا.

تنبهتُ إلى الرابط بينه وأبو علاء، فالأخير عبر النّهر عام 1974 هاربا من الاعتقال، وناضل حتى عاد. وعبر وليام النهّر مع رفاقه، واستشهد بعضهم بغمضة عين، ابتلعهم النهر، في جريانه. اعتقل12 عاما، وأُبُعد وعانى وناضل حتى عاد، وأتساءل كيف يراقب إضراب الأسرى الآن!.

أُصيب كلاهما بالإحباط ممّا آلت إليه الثورة. لكن نضالاتهما وغيرهما أبقت جذوة القضية متّقدة، وأوصلتها إلى جيل جديد، لا في فلسطين وحسب، بل وحول العالم، إلى "بنت الشعب" كنزة، وفؤاد، ولميا، وبديعة، والجميع. تماماً كما يكمل خضر عدنان والأسرى معركة وليام في محاصرة السجّان.

ألحّت علي كلمات العراقي مظفر النواب، عن السوري خالد أكر، والتونسي ميلود بن ناجح، "جئت إلى فلسطين مهما انتماؤك". 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-5-2012

الارشيف