هل انتهت اللحظة الأمريكية؟

 

انطلقت دورية "فورين أفيرز" التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية، الأميركي، في أيلول/ سبتمبر 1922، وتعتبر المجلة التي تصدر مرة كل شهرين، مرجعا حتميا لمن أراد فهم السياسة الخارجية الأميركية.  وقد بدأت كثير من المدارس الفكرية في هذه المجلة؛ فكتاب صموئيل هنتجتون، "صدام الحضارات" مثلا، بدأ على شكل مقال في المجلة عام 1993، رداً على كتاب "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما، الذي أصبح أحد كُتّاب المجلة، في الأعوام اللاحقة وحتى اليوم. ومن المقالات التي أحدثت جدلا في تحليل السياسة الخارجية، مقال تشارلز كروثامر، عام 1990 بعنوان "لحظة الأحادية القطبية"، الذي تحدث فيه عن انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، ورد عليه آخرون بأنّها أحادية قصيرة الديمومة، وأنّ العالم يتجه للتعددية القطبية، وحدث جدل عميق في الدورية ودوريات مرموقة أخرى حول الأمر.

ومن تقاليد الانتخابات الأمريكية أنّ ينشر مرشحو الرئاسة والمسؤولين الأميركيين مقالات في المجلة، لشرح برامجهم في السياسة الخارجية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب باراك أوباما، عام 2007، مقالا فيها، يتضح فيه أثر مقال كروثامر سالف الذكر، فقال "لم تنته اللحظة الأميركية.. علينا القبض عليها مجدداً".

كان عنوان غلاف آخر أعداد العام 2011، هو "هل انتهت أميركا؟". أغراني ذلك بكتابة مقال يقارن بين مقالات صدرت في المجلة في العقدين السابقين، لأبيّن كيف انتقل السؤال من: كم ستطول القيادة الأحادية الأميركية للعالم؟ إلى التساؤل هل انتهت هذه القيادة؟ ومن المقالات التي ألحت عليّ ما كتبه ريتشارد هاس، عام 2008، وفيه رفض السؤال القائل هل النظام أحادي القطبية، أم تعددي؟ ومال إلى أنّه لاقطبي، حيث الولايات المتحدة هي القوة الأولى، وما يليها أقل منها قوة بكثير، ولكن دون أن تكون واشنطن بموقع القادر على ما فرض ما يشاء على الآخرين.

نشرت المجلة بمناسبة مرور تسعين عاما على تأسيسها ملفات لمقتطفات من مقالات نشرت عبر العقود التسعة الفائتة. وكان ملف عدد شهري كانون ثاني/شباط الفائت، بعنوان "صراع الأفكار" وترفض فيه المجلة فكرة أن الإيديولوجيا الأميركية تعيش أزمة، وقالت إنّ مشكلات المرحلة سياسية، وليست فكرية، مؤكدة على قوة منهج السوق الحر واللبرالية.

وعلى موقع المجلة على الإنترنت نشر ملف لأهم المقالات حول القوة الأميركية، لأجد أن فكرتي أنّ مقالات مطلع التسعينيات كانت حول التفرد الأميركي والمقالات الراهنة حول التراجع ليست دقيقة؛ لأنّ سؤال التراجع، قديم، فمثلا تناول ستانلي هوفمان، عام 1977، "وجود نقاش في السنوات الأخيرة لتراجع القوة الأميركية" ويخلص إلى تأكيد التفوق الأميركي عسكريا واقتصاديا، ولكنه يرى أنّ واشنطن تفشل في ترجمة قوتها إلى الحصول على ما تريد. وناقش هنتجتون عام 1988 "الولايات المتحدة: تراجع أم تجدد؟"، وأشار إلى تراجع اقتصادي، ولكنه يؤكد أنّ موقع القيادة لا يرتبط بعامل واحد، بل إنّ "تجديد القوة" هو العامل الحاسم. وفي العام 2002، قال وليام وولفورث وستيفين بروكس، أنّ ما يقوله هنتجتون عن تعددية قطبية غير صحيح، وأنّ الولايات المتحدة لا زالت الأقوى، ولكنها لا يجب، ولا تستطيع، التحكم بالآخرين، وترجمة قوتها إلى هيمنة.

يبدو إذن أن سؤال تراجع القوة الأميركية قديم، وهناك قناعة أنّ الولايات المتحدة ستبقى الأقوى لعقود طويلة، ولكنهم يتساءلون لماذا لا تستطيع واشنطن أن تترجم قوتها إلى الحصول على ما تشاء في مناطق العالم؟.

رفض جوزيف ناي، في المجلة ذاتها، عام 2010، مجددا مقولات التراجع الأميركي، وقال: "الأمم ليست كالبشر، لديها دورة حياة نتنبأ بها. لقد بقيت روما مهيمنة لأكثر من ثلاثة قرون، بعد أن وصلت ذروة قوتها". ويدحض ناي إمكانية أن تصعد دولة منافسة للولايات المتحدة قريبا، ويقول إنّ فكرة أنّ العقود المقبلة هي "العصر ما بعد الأميركي" مضللة، ويتفق مع فكرة أنّ مشكلة القوة الأميركية أنّها لا تحقق ما تريد، ويطالب بطريقة ذكية لإدارة التفوق الأميركي تأخذ بالاعتبار أنّ المعلوماتية مصدر قوة في هذا العصر، كالجيش والاقتصاد، ملمّحا إلى أنّ الريادة الأميركية في قطاع تكنولوجيا المعلومات من أسباب تمديد قيادتها العالمية.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-5-2012

الارشيف