انتخابات الجامعات الفلسطينية


لطالما كانت انتخابات الجامعات الفلسطينية موضع مراقبة واهتمام، لأنها تتم بين كتل سياسية، وليست مجرد قضية طلابية. وقد مثلّت الانتخابات التي جرت في جامعات الضفة الغربية، هذا العام نوعا من المفاجأة بسبب فوز حركة "فتح"، في الأسابيع الفائتة، فيها، على نحو متتالٍ وحاسم. فقد فازت في انتخابات جامعات بيرزيت، والقدس، وبيت لحم، والخليل، والبوليتكنك، وكلية العروب، والكلية التقنية الموزعة في الضفة الغربية.

لم تطعن وسائل الإعلام وغالبية القوى، بمجريات هذه الانتخابات، وحتى "حماس"، في البداية، حللت أسباب الخسارة، دون أن تشكك بنزاهة العملية، أو تتحدث عن تدخلات أمنية، ثم أعلن سامي أبو زهري، الناطق الرسمي، باسم الحركة بيانا جاء فيه أنّ "أشكالاً من التزوير والتدخل الأمني" قد حدثت. وعمليا شهدت بعض الجامعات نوعا من الترتيب والتفاهمات، بين إدارات الجامعات، وحتى الكتل الطلابية بما فيها الإسلامية، والأجهزة الأمنية الفلسطينية، لضمان حيادية ونزاهة الانتخابات، ولعل هذا ما حدا بحركة "حماس" بالمشاركة للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام.

إذا ما أردنا تحليل أسباب هذه النتائج ودلالتها السياسية، يمكن التنبيه إلى مؤشرات؛ أولها أنّ تدخل قيادات الأجهزة الأمنية، ومسؤولين رسميين في السلطة، وحتى مسلحين تابعين لحركة "فتح" من غير الطلبة، بشكل سافر وفج في الانتخابات في سنوات سابقة، في الجامعات، كان يعطي نتائج عكسية، تنفّر الطلبة من التصويت لفتح، وما حدث هذا العام وفي الأعوام الماضية، أنّ الطلبة استعادوا استقلاليتهم، ربما لأنّ تلك القيادات خرجت من الصورة ومن مناصبها القديمة، وانشغلت بأمور أخرى. وحتى الدعم المالي للانتخابات تراجع بسبب أزمة "فتح" المالية، وأسهم هذا إيجابياً أيضاً، في إعادة نسبية للوجه الطلابي للكتل الفتحاوية، بدل وجه الحزب الحاكم.

وثاني الأسباب، يتعلق بمقاطعة حركة "حماس" الانتخابات لأعوام ثلاثة، وهو ما أسهم بلا شك في تقليص خبرة أتباعها انتخابيا، ومن فرص تواصلهم مع القاعدة الطلابية.

والسبب الثالث، عمليات الملاحقة التي يواجهها عناصر "حماس"، من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية، واضطرارهم للعمل السري، وافتقاد الحركة لجمعيات خيرية ومؤسسات عمل أهلي، وقنوات تمويل، تم تجريدهم منها بعد الانقسام.

ويأتي رابعا، شعور الشارع الانتخابي أنّ التباينات السياسية بين "فتح" و"حماس" تتراجع كثيراً، ويزداد التشابه، سواء على صعيد البرنامج السياسي، أو على صعيد تحول الفصيلين إلى سلطة حكم كل في منطقة سيطرته.

هذا عن الأسباب، أمّا الدلالات السياسية والوطنية الفلسطينية، فيمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

أولا، يمكن الاتفاق مع القيادي في حركة "حماس" أحمد يوسف وقوله "إنّ التراجع لا يمسّ حماس وحدها، بل فتح أيضا تخسر من شعبيتها لأنهما مشتركان في الإخفاقات نفسها، لا سيما في ملف المصالحة الوطنية". وفي ظل نتائج الانتخابات الجامعية، يمكن القول إنّ الفصيلين يخسران، ولكن لا يكسب طرف فلسطيني ثالث؛ ففصائل اليسار تلاشت تقريبا، ولا يوجد قوى صاعدة حقيقية. وهذا قد يعني، خصوصا مستقبلا، حالة استنكاف عن العمل السياسي والوطني بين الشباب، أو قد يعني أن آليات عمل غير فصائلية ستنشأ.

ثاني الأسئلة التي تشير إليها النتائج، هي معناها من حيث أثرها على المصالحة، والانتخابات التشريعية لو تمت. والواقع أنّ التقييم الموضوعي أنّ الرابط بين الأمرين ليس مرجّحاً؛ ففتح مثلا تدرك أنّ خلافاتها التنظيمية، وعجزها عن إدارة عملية انتخابية ناجعة، بدءا من اختيار كتل انتخابية موحدة، والعجز عن العلاج الحاسم لقضايا الفساد والخلافات التي تثار حول قيادات فيها، كلها عوامل حاسمة في الانتخابات.

ثالث وأهم ما في الأمر، هو معنى هذا الفوز على الصعيد الوطني الفلسطيني، في مواجهة الاحتلال. فلقد كانت اتحادات الطلبة دائما هي رأس الحربة الميدانية في النضال الجماهيري ضد الاحتلال، وجاءت قيادات الانتفاضة الأولى عام1987 من هذه الاتحادات، ولكن دور الجامعات كمعهد لتخريج الكوادر النضالية تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة، بل انقلبت الأمور في الانتفاضة الثانية، لتدخل مسلحين من خارج الجامعات لقيادة الطلبة.

سيتحدد المعنى السياسي والوطني لهذه الانتخابات، من خلال مقدرة الفائزين على قيادة عمل طلابي يخدم الحياة الأكاديمية والجامعية، ويصب في الجهد الوطني. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 2-5-2012

الارشيف