ركود فلسطيني يُشيع استرخاءً دوليا وإقليميا 

 

تبدأ إحدى الطرائف بالقول إنّ رئيس دولةٍ ما، طلب مساعدات من الرئيس الأميركي أسوة بدول أخرى، فرفض الأخير بحجة استقرار وضع هذه الدولة، على عكس توتر دول أخرى، تشهد احتجاجات شعبية، فما كان من هذه الرئيس إلا أن أخذ يستفز شعبه ليدفعه للاحتجاج، دون جدوى.

من المعروف أنّ الإعلام لا يتحرك لتغطية قضية ما، طالما تسير الأمور بشكل طبيعي، لا ينطوي على ما يخالف الروتين اليومي؛ فكثير من المشكلات كنقص الخدمات أو البنية التحتية، تستمر دون أـن يلاحظها أحد، حتى تبدأ احتجاجات شعبية، أو تحدث كارثة، بسببها.

ومما يُزعَم أنَّ الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، قال عام 1973، إنّ حربه مع إسرائيل، كانت حرب تحريك، لا تحرير، إذ أراد تحسين موقعه التفاوضي، وإثارة قلق يستفز الاهتمام العالمي بالمنطقة، ويدفع واشنطن لتحريك عملية تسوية.

وفي أي مكان من العالم، تؤدي حالة الاستقرار وعدم توقع التغيير، إلى استرخاء الأطراف الدولية والإقليمية وانصرافها لأولويات وأزمات أخرى، حتى وإنْ كان هناك استنزاف مدمر طويل المدى.

للقضية الفلسطينية أهميتها العربية والإسلامية، وأبعادها الاستراتيجية الأمنية، والإنسانية، والدينية، وهذه كلّها اعتبارات حاضرة في عقول وقلوب شعوب المنطقة، وأنظمتها، لكنها لا تكفي لاستثارة تحركٍ دولي أو إقليميّ، ذلك أنّ الساسة والإعلام، وحتى الشعوب، لا يحرّكها إلا حدثٌ دراميا، أو تحرك دبلوماسي وسياسي كفؤ وحثيث، واضح الأهداف.

لا تشكّل معاناة الفلسطينيين الصامتة، والحرب الاستيطانية، سببا مستفزّا لحراك عاجل. وقد تحولت المواجهة مع الاحتلال في أحسن الأحوال إلى حرب باردة، وفي حالات إلى حرب من طرف واحد؛ استيطان، واغتيال، واعتقال، دون ردود فعل تُذكر.

حالات العدوان المسلح على غزة مثلا، أو الاجتياحات والاعتقالات في الضفة، تُنبئنا أن الطرف الفلسطيني، سواء أكان "حماس" أم "فتح" هو الذي يسارع لطلب الوساطة للتهدئة، و"وقف العدوان". هذا مع الأخذ بالاعتبار عدم وجود رد فعل عربي متوقع أصلا، وبالتالي تكون مهمة الوسطاء السهلة إقناع الطرف الإسرائيلي، بتجميد حملاته، مؤقتاً.

وبعيدا عن المواجهة مع إسرائيل، فإنّ "المستفزات" الداخلية لتقديم الدعم الاقتصادي للفلسطينيين قليلة؛ فقد قررت دول الخليج الأكثر ثراءً مثلا، تقديم مساعدات لتلك الأقل ثراءً، وهي تحديدا البحرين وعُمان. وطُرحت فكرة ضمّ الأردن والمغرب لمجلس التعاون الخليجي، خوفاً من تدهور الأمور فيهاـ وبغض النظر عن مدى الترجمة العملية لهذه القرارات، فقد عبّرت عن شعور بالقلق لدى القوى الإقليمية الكبرى من التغيير، وعدم الاستقرار، وهما عاملان يحرّكان الساسة.

أدّت حالة الانقسام الفلسطيني، وتكرّس سلطة "فتح" في الضفة و"حماس" في غزة، وعدم وجود، أو قمع وجود معارضة حقيقية في أي من المنطقتين، سواء لأسباب سياسة أم اقتصادية، وعدم خوف أيٍّ منهما من عودة الطرف الآخر بالقوة، إلى منح أولوية عالمية وإقليمية لمناطق أخرى. فلم تخرج تظاهرات كبرى لأسباب حياتية، أو سياسية، مؤخرا، تصل حدّا ينذر بعدم استقرار الجماعات المسيطرة. هذا فضلا عن إحباط القوى الإقليمية من أداء الفلسطينيين وصراعاتهم المستمرة. كما لا توجد مصالحة داخلية تدفع للمباركة والدعم.

كذلك لو كانت هناك عملية ديمقراطية، يفوز فيها طرف على آخر، فسيزيد هذا اهتمام أنظمة إقليمية بتقديم دعم اقتصادي أو مالي لحكومة ما، لضمان عدم صعود طرف تتعارض سياساته مع هذا النظام أو ذاك، أو لوجود مصلحة لنظام ما بصعود لون سياسي مُعيّن.

شتّان بين وضع تهدد فيه "حماس" بالتصعيد وقصف تل أبيب، ويهدد فيه محيط الرئيس الفلسطيني بقرارات تغير وجه المنطقة، ووضع تستعجل فيه حكومة غزة "وقف العدوان" بواسطة الاتصالات، بدل الرد، واستثناء الرئيس الفلسطيني خيارات الكفاح المسلح، وحل السلطة، وإعلانه نيته عزل سياسة إسرائيل الاستيطانية، وليس نزع شرعيتها أو عزلها.

وشتّان بين معارضة حيويّة في الشارع الفلسطيني، والمتابعة الأمنية الحثيثة لموقع إنترنت، وتعليق على الفيسبوك، هنا وهناك.

في أغنيته "إن عشت فعش حرّا"، يقول الفنان الملتزم "سميح شقير": "وارمي حجراً في الماء الراكد تندلع الأنهار.. اقرع أجراسك في مملكة الصمت".  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 1-5-2012

الارشيف