ما الذي قاله مروان البرغوثي في التحقيقات؟

 

هناك ثلاث نقاط رئيسة تستحق التوقف في المحاضر التي نشرتها صحيفة "هآريتس" الإسرائيلية باعتبارها نصوص اعترافات مروان البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، والذي كان يعرف سابقا باعتباره رئيس اللجنة الحركية العليا، لحركة فتح، في الضفة الغربية.

النقطة الأولى، هي التوقيت، والثانية، فكرة الاعتراف، والثالثة هي المضمون.

من حيث التوقيت، فإنّ النشر الذي يتزامن مع الذكرى العاشرة لاعتقال مروان، جرى غالبا بقرار من السلطات الإسرائيلية المعنية، بتسريب شيء للصحافة، يتزامن أيضاً مع تحرك الأسرى الاحتجاجي، والإضرابات عن الطعام، وبالتالي المطلوب إحداث إرباك بين صفوف الأسرى، أضف لذلك إجهاض اتساع حملة التضامن مع البرغوثي في الذكرى العاشرة لاعتقاله، وضرب صور الرموز الوطنية الفلسطينية.

القضية الثانية، والأكثر حساسية، في الموضوع، هي فكرة أن يكون "مروان اعترف"، وبطبيعة الحال فإنّ المحاضر ليست اعترافات نظامية لأنّها مصاغة على شكل ملاحظات كتبها المحققون، ولا تتضمن توقيع مروان، وفي كثير من الأجزاء النصوص هي وبوضوح وصراحة استنتاجات المحققين، وليست أقوال مروان. ولكن من "يسرب" هذه الأوراق، وبهذه الصياغة، يراهن على أنّ الغالبية ستتحدث عن فكرة الاعتراف، دون قراءة الأوراق، ودون التدقيق فيما قاله المحققون، وما يقال أن مروان تحدث به. مع الأخذ بالاعتبار أنّ مروان لا يعترف أصلا بالمحاكم الإسرائيلية ولا يوقع على وثائقها. وهنا يجب عدم استبعاد أن يصبح تسريب محاضر تحقيق أو اعترافات، حقيقية أو مزعومة، لكثير من المناضلين الفسطينيين الأسرى من مختلف الفصائل سلوكاً إسرائيلياً متكرراً، وجزء من حرب نفسية.

القضية الثالثة، وهي ربما الأكثر أهمية، هي مضمون ما جرى نشره. وعمليا إذا نحيّنا جانباً مسألة الاعتراف، أو عدمها، فإنّه لا يوجد شيء يخجل منه مروان أو غيره، والإشارات العابرة عن أنّ الاعترافات أدت لإدانة آخرين، مسألة يعوزها الدقة وتحتاج للتدقيق، لأنّ الواردة أسماؤهم إمّا شهداء أو أسرى قبل مروان. وتنقل الأوراق المنشور عن مروان قوله "لقد كنتُ مؤيداُ نضالاً بلا هوادة ضد الاحتلال، وبكل الوسائل، داخل المناطق (المحتلة) ضد الجيش والمستوطنين". وقوله "كما كنتُ مقاتلا لأجل السلام، فأنا مناضل ضد الاحتلال وضد المستوطنين إبّان الانتفاضة".

بالنسبة لجزئية دور عرفات في توجيه الانتفاضة وتمويلها، فإنّ الصورة المرسومة في الأوراق المنشورة، ليست بعيدة عن الصورة التي يرسمها كثير من السياسيين الفلسطينيين، بأنّ عرفات أيّد  المقاومة والمواجهات. بل وتثبت الأوراق، (بغض النظر عن مدى الدقة الفعلية لكل تفاصيلها) أنّ القيادة السياسية لفتح كانت تريد الحفاظ على قواعد عمل مثل حصر المقاومة المسلحة بالمستوطنيين والجنود، بدل المدنيين داخل المناطق المحتلة عام 1948، وأنّه كان هناك تحفظ بشأن العمليات الاستشهادية، ولكن ما قام به الإسرائيليون، وردود فعل الناشطين الميدانيين في فتح، جعل الأمر خارج السيطرة.  

أمّا بالنسبة للتفاصيل عن دور ضباط في أجهزة الأمن الفلسطينية، عن جزء من عمليات المقاومة، فإنّ هذه المعلومة يفتخر بها ضباط الأمن الفلسطيني باعتبارها دليل وطنيتهم. وإذا عدنا لكتاب علي بدوان ونبيل السهلي، "حركة فتح من العاصفة إلى كتائب الأقصى"، سنجد اقتباسا نقلا عن حديث صحفي للبرغوثي جاء فيه "كتائب شهداء الأقصى أهم تجديد جرى في مسار حركة فتح، وفي بنيتها العسكرية خلال ال25 سنة الفائتة". وسنجد أسماء قادة عسكريين للانتفاضة، وشهداء، جاؤوا من أجهزة الأمن في الانتفاضة، منهم الشهيد مروان زلوم، اللواء عبد المعطي السبعاوي، اللواء أحمد مفرج (أبو حميد)، وأسماء أخرى كثيرة يذكرها الكتاب، باعتبارهم من عناصر أجهزة الأمن الفلسطينية، وفي الأوراق المنشورة باعتبارها نقلا عن ما قاله مروان أثناء جلسات التحقيق، يأتي اسم الضابط فيما كان يعرف باسم القوة 17، مهند ديرية.  

في المحصلة لا يوجد ما هو مفاجئ فيما نشر، باعتباره اعترافات مروان البرغوثي، وأغلب ما نشر يفتخر به مروان. ولكن هدف النشر، هو ترويج فكرة وجود "اعترافات"، ومحاولة تسريب صورة أنّ التحقيقات معه لم تكن صعبة. 

نشر في الغد الأردية بتاريخ 25-4-2012

الارشيف