آراء وتساؤلات بين يدي من زاروا القدس

 

لو كنتُ في موقع تقديم الرأي لكل من الحبيب الجفري، ومفتي مصر، علي جمعة، قبل زيارتهما القدس، لقلتُ أموراً عدة.

سأقول أولا أنّ توقيت الزيارة بعد موقف يوسف القرضاوي، الذي "أفتى" و/أو "عارض" زيارة المدينة تحت الاحتلال، قد يفسر في سياق خلافات وتجاذبات قوى سياسية، وليس في إطار دعم القدس، ولا بد من ترتيبات خاصة للزيارة، سأذكرها لاحقاً.

سأذكّر المعنيين بالانقسام الذي حصل عام 1990/ 1991، بين "العلماء" على خلفية حرب الخليج، والموقف من الحرب التي تلت الغزو، والذي كان انقساماً قائما بالدرجة الأولى تبعا لارتباط كثير من العلماء بأنظمة معينة، سواء أكانت أنظمة أوطانهم أو التي تربطهم بها علاقة ما، وسأستحضر مجلة "الإنسان" وهي دورية صدرت في تلك المرحلة لتعبّر عن الحركة الإسلامية في العالم، تضم مقالات إسلاميين مشهورين مثل راشد الغنوشي، ومنير شفيق، وكيف اضطر القائمون على المجلة أمام انقسام "العلماء" وكبار الحركيين الإسلاميين، لإصدار عدد يتضمن الفتاوى والفتاوى المضادة، بشأن الحرب، وكيف أضر بصورة العلماء ولمز بعلاقتهم مع "السُلطان".

ثم ثانيا، سأنبّه إلا أنّ المواطن العربي ملّ كثيراً حالة "الاغتراب" التي يضعه الجميع فيها، الساسة، والتجّار، والآن علماء الدين. وسأوضح أن الاغتراب وصف لما نسميه في علم الاجتماع، الشعور بالعجز وعدم القدرة على التأثير في الأحداث، لدرجة عدم فهمها. فقد سئم المواطن العربي المفاجآت. إذ يفاجأ بعد 45 عاما من احتلال القدس الشرقية، بزيارات غير مسبوقة.

وسأقول ثالثا، أنّ القرضاوي وغيره حرموا الزيارة فعلا، وأباحها الجفري وجمعة فعلا. وكانت الترتيبات المطلوبة التي تسبق الزيارة، والتي قد تؤدي لرأي بعدم القيام بها، أو لتأييدها. تقتضي بداية، ومن باب احترام العلماء لبعضهم، والأهم احترامهم الناس، الدخول في حوار بالحجج والأدلة، فربما يقنع العلماء بعضهم بشأن الزيارة، فيقنعوا الرأي العام، وأن يتفقوا على عدم الانفراد في التحريم والتحليل في قضية كهذه، إلا إذا كانوا يعلنون أنّ اراؤهم لا تعد موقفاً شرعيّاً، وللناس حق الاختيار.

ورابعا، كان من المهم أن يكون هناك خطة تحرك شاملة معلنة من أجل القدس، وليس مجرد زيارة عابرة، تتحول إلى موضوع خلافي يعمّق شعور المواطن العربي الذي يفاجأ بالتحريم وبالزيارات، وبالانقسام.

سـأسأل هل يمكن للعلماء المختلفين، أن يجتمعوا لإقرار خطة دعم حقيقية، يحاسبون بموجبها الساسة إن تخلفوا عن أداء واجباتهم إزاء المدينة بدل تقزيم قضية القدس وفلسطين، إلى زيارة أو عدمها؟ ومراعاة احتياجاتها بيتا بيتاً وفرداً فرداً؟!

وسأسأل، خامسا، هل سيتمكن العلماء الذين زاروا المدينة من طرح حقي شخصيّا بالدخول الحر إلى القدس، وحق عشرات ملايين العرب والمسلمين؟   

وأخيرا، سأخبرهم أمران؛ الأول أنّ المطلوب ليس زيارة لشخصيات تحظى بتغطية إعلامية، قد توضح أهمية المدينة الإسلامية، ولكن قد تستغل إسرائيليا دعائياً، بل طرح مسألة الدخول الحر للمدينة، دون أن يرتبط هذه بموافقة أو عدم موافقة سلطات الاحتلال، بل أن يقود العلماء "غضبة" عالمية على منع المسيحيين والمسلمين العرب، من المقدسات، والقدس، وربط ذلك بفيزا إسرائيلية.

وسأضيف أنّ هناك فرق بين زيارة لعدد محدود لشبه رسميين، وحق الدخول للقدس، وسأشدد على أن "المطلوب حملة عالمية لموضوع حق الدخول إلى القدس بغض النظر عن قرار إسرائيل" وسأذكر أنّه لا يوجد أي دولة في العالم على الإطلاق تعترف بسيادة إسرائيل على المدينة. الأمر الثاني الذي سأذكره، هو مثال شخصي، فسأقول أنا من قرية تبعد 4 كيلومترات عن القدس، وقد نرى الأقصى من مكان مرتفع في القرية، دون أن يسمح لنا بالصلاة أو دخول المدينة، وقد أشعر بضيق من زيارة هنا وهناك لرسميين وشخصيات اعتبارية فيما أنا ممنوع.

سأختم للتوضيح، إن كان هذا مهماً، أني مع زيارة القدس، لمن استطاع إليها سبيلا، وأني كتبت في هذا مرارا، ولكن مع محاذير وشروط خاصة، تمنع أي تطبيع، وفي سياق فكرة واضحة للدعم والصمود، وعندما يتعلق الأمر بشخصيات اعتبارية فلا بد أن تكون خطواتهم ضمن تصور استراتيجي، فالقدس تحتاج الكثير.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-4-2012

الارشيف