إنسان وسلام 

 

ينذر نوع من البشر نفسه لهدف ما، أو يجد نفسه منذوراً له. "يستغني" عن كثير من عَرَض الدُنيا، في سبيله. لا يهمه مجاراة التيار، وما يقوله آخرون مع أنّه يعمل في سبيل غيره. 

ولد لويس ريتشارد عام 1881في انجلترا، ونشأ مسيحياً متديناً، ملتزما بنزعة مسالمة، جعلته يحتار في التعامل مع الحرب العالمية الأولى، وينخرط في الخدمات الطبية والاسعاف لا يفرق بين جندي وآخر. ليعود بعد الحرب لعمله باحثا في طبقات الجو العليا والرياضيات، واستقال من عمله الرسمي في التنبؤات الجوية لأنه سيضعه تحت إمرة الجيش البريطاني، ثم بدأ يحاضر في الجامعات، ويجري أبحاثه، ولكنه عندما علم أنّ أبحاثه سيستخدمها الجيش في تصنيع أسلحة الغاز السام، قام بتدمير نتائجها وطمسها. وتفرغ لاستخدام علم الرياضيات في اكتشاف علاقات سببية توضح دوافع ومسارات الحروب.

كتب كُتبا عن الحرب وأسبابها فشلت فشلا ذريعا في السوق، وكتب كتابين لم يوافق أي ناشر عليهما، وتوفي في سن الواحدة والسبعين، عاكفا على أبحاثه، يحاول الحصول على موافقة جامعة كبرى لتسمح له باستخدام مكتباتها وأرشيفها في أبحاثه.

اطلع علماء على مخطوطات أعماله غير المنشورة وبنوا أبحاثهم عليها، وأنشؤوا ما يعرف بحقل علم إدارة الصراع، ونشروا كتبه بعد وفاته بسبعة أعوام لتنجح هذه الكتب بقوة.  

لا يلغي الإعجاب بمثل هذا المثقف وجود وجهة نظر مضادة له، وهي أنّ هتلر في الحرب العالمية الأولى، لم يمتنع عن استخدام الغازات السامة، إلا لاعتقاده ان خصومه لديهم ما هو أقوى منها. وأن الردع ضروري أحياناً.

كانت قصة ريتشارد إشارة عابرة في محاضرة ألقيتها هذا الأسبوع في ثلاث مدن مغربية، ضمن برنامج ثقافي يجمع جامعة كيمبردج والمغرب. في اللقاء تكلم أكثر من باحث في موضوعات مختلفة، وتناول ثلاث باحثين على الأقل سيرة المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، واستوقفني في حديثهم موضوعين، أولهما وصف الجابري بأنّه مفكر ناقد، لم يكن يستكين لتيار سائد لمجرد مجاراة الواقع، فلم يكن شعبويا أو تقليديا أو تبريريا يبرر لسلطة أو جماعة ما تقوم به. والأمر الثاني، أنّه نجا من إغراء السياسة ففكر بحرية في المجتمع والحياة.

قد نتفق ونختلف مع كثير من المفكرين والكتاب، ولكن ما يستحق التوقف هي فكرة معرفتهم للهدف الذي يريدونه والإصرار على البعد الأخلاقي في علمهم، مع أنّ هذا يتجاوز حدود الواقعية أحياناً، كما في قصة لويس. لا يوقفهم إهمال الناس حينا، وهجومهم عليهم حينا آخر.

بالتوازي، أذكر ناشط في المقاومة الشعبية الفلسطينية، يعلن لي تذمره من فكرة "تدريس السلام" التي يقوم بها بعض الجمعيات في الضفة الغربية. فإذا رأينا من يتحرك بدوافع مثالية في دراسات الحرب والسلام، تصبح المشكلة في عصر ما يعرف بالمنظمات غير الحكومية (NGOs) نوع من "البزنس". فبقدر ما يوجد من يؤمن بالمقاومة الشعبية غير العنيفة، (البعض يؤمن بها مع المقاومة العنيفة)، وبالتالي يحاول بلورة برامج مقاومة مدنية سلمية، فإنّ السلام واللاعنف، يتحول إما بدافع الحصول على التمويل من المانحين، أو لأنّه تحول لمهنة، إلى نوع من العبثية. وفكرة تدريس السلام مثلا الموجودة في فلسطين ولبنان، تعتمد على نشر ثقافة اللاعنف، والحوار، والمشكلة ليست في ما تسعى لنشره، بل المشكلة أنّ هذه ليست المشكلة، فالعنف هو نتيجة احتلال وعدوان في فلسطين، ونتيجة طوائف وأمراء حرب في لبنان.

بالمثل تقوم مؤسسات دولية وخصوصا أميركية بدعم قطاعات مثل المحاكم العشائرية في السودان واليمن، بداعي أن المجتمعات المحلية لديها وسائلها، وبغض النظر عن سوء أو حسن النية، برأيي هذه الوسائل تتجاهل متطلبات قيام دول حديثة تبني مؤسساتها، وتكرس البنى التقليدية التي تفتت الهوية الوطنية في النهاية.

الذنب الأساسي ربما ذنب المجتمعات التي لا تؤمن موارد للجمعيات والأطر المحلية فتتحول للخارج، فتأتي بأجندات وبرامج قصيرة المدى، إما غير مناسبة أو غير ضرورية.

تبقى نماذج المثقف المستقل صاحب الأخلاق موجودة وكثيرا ما تثمر ولو بعد حين.. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 20-4-2012

الارشيف