إنجاز عربي تاريخي في مجال البحث

 

تَذكُر الإيكونوميست في عددها الصادر يوم 14 من الشهر الجاري، أنّ اشتراك في مجلة Tetrahedron  ، وهي مجلة كيمياء، تكلّف مكتبة الجامعة الواحدة 20269 دولار أميركي سنويّا (عشرون الف ومائتان وتسع وستون دولار)، ويكلف الاشتراك في مجلة "علوم الرياضيات" 20100 دولار. وفي عام 2011 حقق Elsevier، أكبر ناشر للمجلات ألأكاديمة، ربح مقداره 1.2 بليون دولار، من حجم مبيعات ودخل أكثر من 3.3 بليون دولار.

وبغض النظر عن حقيقة أنّ هناك جدل كبير في الدوائر الغربية، بشأن مدى صحة تحقيق هؤلاء الناشرين هذه الأرباح، في وقت تتراجع فيه مداخيل الجامعات، وينخفض الدخل الدعم الحكومي، فإنّ المحصلة أننا أمام قطاع منظم، وصناعة قوية.

ويعرف العاملون في المكتبات العامة، التي يوجد لها ميزانيات كافية، أنّ الاشتراك في عشرات أو مئات الدوريات الغربية، لا تكون بالاشتراك فرديّا مع كل مجلة على حدة، بل عبر شركات توزيع، توصل العناوين المطلوبة ورقيا وإلكترونيّا. بل وتقوم الجمعيات العلمية، ولنقل مثلا جمعيات الدراسات الاجتماعية، أو الدولية، في الولايات المتحدة أو بريطانيا، عادة بالتعاقد مع ناشر محترف لضمان نشر دورياتهم بالسوية العلمية المطلوبة. وهذا يضمن الآن توصيل الدوريات الكترونيا وورقيا، وفق قاعدة بيانات موحدة تجعل البحث عن موضوع ما خطوة واحدة. وطبعا الحديث هنا عن دوريات غير متاحة مجاناً على الإنترنت.

بالمقارنة فإنّه وفي العالم العربي، تكاد تكون فكرة الموزع للدوريات العلمية، وحتى الكتب، مفقودة، وغير مطروقة. ففي الغرب هناك شركات توزيع متخصصة، أمّا في العالم العربي، فإنّ الناشر للكتاب هو في كثير من الحالات، الشخص الذي يراجع الكتاب، ويتفق مع المؤلف ماليا، ويقوم بالتنسيق الفني للكتاب، ويشرف على طباعته، وهو ذاته الموزع، وفي كثير من الحالات هو ذات الشخص الذي يقف في أجنحة الكتب في المعارض ليبيع الكتب. والدوريات تنشرها جامعات ومراكز أبحاث، بميزانيات ضعيفة للغاية، ودون احترافية، بل في أغلب الحالات، بعمل من متطوعين أو شبه متطوعين، وتكاد لا توزع أكثر من عدد الكُتاب فيها مع عدد محدود للغاية للمشتركين. وتواجه غالبية الدوريات مشكلة عدم وجود موزع، وتواجه تعقيدات دوائر المطبوعات العربية.

مؤخرا دشنت مؤسسة عالم المعرفة للمحتوى الرقمي، في عمّان، أضخم قاعدة بيانات عربية للدوريات العلمية والتقارير الإحصائية، تحت اسم "معرفة"، وبحسب معلوماتي هي أول قاعدة عربية من نوعها. وقد كانت البداية بتقديم النصوص الكاملة لـ 45 ألف دراسة ومقال علمي وتقرير إحصائي، في مختلف التخصصات المعرفية والعلمية”. ويرتفع العدد باضطراد ويتوقع أن يصل إلى 70 ألف مادة مع نهاية هذا العام.

هذه القاعدة هي بحق إنجاز عربي مهم. وأصعب ما في المشروع، باعتقادي، كان الوصول إلى الدوريات المختلفة، والاتفاق مع القائمين عليها، وكثير منهم لم يدخل العصر الرقمي بعد، أو هو مجرد جامعة صغيرة في مدينة عربية بعيدة. ويحتاج المشروع تطبيقات الكترونية محددة، وكادر بشري مدرب.

أشعر عادة بحالة من الذهول وأنا استخدم قواعد البيانات الشبيهة باللغة الإنجليزية، والتي تكلّف بطبيعة الحال الجامعات الغربية أو المؤسسات المشتركة بها مبالغ كبيرة نسبيا. أجمع جزء كبير جدا من مواد أبحاث ومقالات، خلال ساعة من الزمن، فيما كنتُ أقوم بذات العملية بكفاءة أقل في مطلع التسعينيات مستغرقا عددا من الأيام، متجولا بين رفوف قاعات الدوريات في المكتبات العامة، أتصفح الدوريات أحيانا مجلدا بعد آخر، وقد أفترش الأرض بحثا عن موضوع بعينه.

 وأنا أجرب هذا النظام العربي الجديد شعرت أني كسبت الكثير، وسيكون من شأن هذه القاعدة إذا ما استمرت، واستثمرت جيدا أن تنقل العملية البحثية في العالم العربي نقلة نوعية، بتوفير أولا منبر للباحث والكاتب العربي، وثانيا، بتخطي حدود الدول وتوفير المواد الكترونيا، وثالثا، بعملية تصنيف تسهل البحث. لا يسع المرأ إلا أن يتمنى أن تستقبل الجامعات والمؤسسات العربية هذا المشروع بما يليق من اهتمام به، خاصة أنّ قيمة الاشتراك فيه قد لا تزيد عن قيمة دورية واحدة باهظة الثمن في العالم الغربي.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 19-4-2012

الارشيف