رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك

 

ما أن أقرأ في سيرته، أو أتصل لأسأل عنها، حتى تلّح "أغنية حب لشهيد الكرك"، التي غنّاها كمال خليل للشهيد أحمد المجالي، الذي ارتقى شهيدا في لبنان، مقاتلا عن قضية فلسطين، غنّى له "هِلي بزغرودة وقمر غنيّله يا أحلى المدن، أحمد على الموت انتصر، ما أبهى شمسك يا وطن".

هل التقى أحمد بمحجوب عند سيل الكرك يوماً؟ ربما لا، ولكن لقاءا روحيّا وعقليا لا بد وقد حدث.

ربما لا يعرف كثيرون "رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك"، القبطي المصري، ولكنه ذلك النوع من البشر الذي يترك أثراً كحلقات الماء تتسع من حول حجر تُلقيه في الماء الراكد، حتى "تندلع الأنهار".

هل تصّح البداية بمشهد الختام؟ ودخول الجثمان الكنيسة على أكتاف شبيبة تلفعّ بعضهم بكوفيات لطالما شمّ فيها العرق المغمس بهواء فسطين عندما اجتاز لابسوها الحدود، كوفيات خُضبت بالدماء وهو يُسعف أصحابها. أم أنّ البداية من الإسلامي محمد عبد القدّوس يُبسمِل وينعاه في نقابة الصحافيين المصرية، ويصفه بإنسان عزّ وجوده..

من سواه فعلَ ما فعل؟ ظننتُه أخذ اسمه الحركي، محجوب عمر، إثر انضمامه للثورة الفلسطينية بعد هزيمة 1967، فإذا به اسم حركي ناضل واعتقل به في مصر. وظننته لُقِبَ "الحكيم" بعد أن انتقل إلى بلاد الشام حيث يُلقّب الطبيب بالحكيم، كما جورج حبش، وإذا به ناله في الجزائر يوم ذَهب طبيباً يداوي جرحى ثورتها.

عمل طبيبا في مصر، أزعجه مستوى طعام المرضى وتمرّد، أزعجه عدم نظافة المستشفى فأمسك الفرشاة وغمرها بالماء والصابون، وارتفع راكعاً يمسح الأرض.

جاء طبيبا فدائيّا، إلى جنوب الأردن، يودّع ويُرشد المقاتلين، في مهامهم عبر الحدود إلى منطقة الخليل، ويُعالج الأهالي، ويحظى باحترامهم. ثمّ كانَ طبيباً أديباً في مستشفى البشير، يكتب قصصاً إنسانية شفافة عن حياته هناك بعنوان "الأشرفية". لينتقل إلى قواعد المقاومة في طرطوس، شمال شرق سوريا.

شعر بالحرج وهو المعارض اليساري لعبد الناصر، وخريّج سُجونه، من يسار فتح وهم يسيئون للقائد المصري عندما وافق على معاهدة روجرز عام 1970.  

أخذ دور المفكر وهو يؤسس مركز التخطيط في بيروت.

عندما احتار نبيل شعث كيف يُجيب على "جهاد" الآتي ليقاتل الاحتلال، فيجد نفسه في حرب أهلية، أتي به له، فحدّثه من وحي كتابه "حوار في ظل البنادق"، واصطحبه في الثامنة صباحاً من اليوم التالي، في سيارة قديمة، يحف بهما جمال لبنان، وخطر القتل على الهوية، وهو الحنطي اللون، ضئيل الحجم الذي يسهل اكتشاف أمره، فسلّمه لنعيم، (عبدالحميد وشاح)، راعي الغنم السابق في فلسطين، القائد الخلوق لكتيبة "نسور العرقوب". ترك جهاد هناك في القمة بمواجهة مباشرة مع العدو، فهذا فقط ما قد يرضي الخريج الجديد من جورج تاون.

أسرع مقاتلو العرقوب لتحيته، فقد أمضى معهم عاماً في الخنادق، ويسألونه  كيف توجه البوصلة إلى الجنوب لتنتهي الحرب الأهلية في لبنان، ليكون المقاتل حيث يجب أن يكون؟.

رفضَ بشدة إسكان الناجين من مجزرة تل الزعتر في مدينة الدامور المسيحية، حتى لا تتفاقم الحرب الأهلية. فشل مسعاه ولكنّه سجّل شرف المحاولة.

دفنَ رفيقه وصديقه الأثير القائد الخلوق جواد أبو الشعر تحت القصف.

كان يُصر أنّ كل فلسطين محتلة، ولا يُرضيه حل الدولتين. ساندَ الانتفاضة الأولى، وعاد ليؤسس لجنة مناصرة الانتفاضة في مصر، وليؤسس في صحيفة "الشعب"، عندما داهمه المرض.

أبّنوه في رام الله والقاهرة. تحدثَت زوجته منى عبدالله، فقالت للحضور القليل في نقابة الصحافيين المصرية، عن ألواح الخشب في منزلهم، يتركونها دون طلاء، يمررون القطنة عليها لتضيء وتلمع "سطور" الخشب، ويخرج منها النور. فتراهُ إنساناً إنسان، بلا طلاء، سُطور إنسانية وشرف وثورة ورأس مرفوعة. قالت مُنى "أشكر فلسطين التي وهبتنا حياتنا"، وكثيراً يشكرون فلسطين لأنّها وهبتهم مثل محجوب.

أتمّ الثمانين، فرأى الربيع العربي في مصر، قبل وفاته في شهر الربيع، آذار الفائت.

يُغمض عينيه، ويحلم آخرون أنّ ُتزهر يوماً لمثله يافا، وأن يصله عطر برتقالها، ويقولون لم تحن الخاتمة بعد: ستكون يوماً ما تُريد. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 13-4-2012

الارشيف