الانتفاضة الثالثة والثورة ضد فتح وحماس

 

يقول القيادي البارز في حركة حماس أحمد يوسف، كما نقلت "الغد" الأحد الفائت، أن "الشعب الفلسطيني ضاق ذرعاً، ولن يبقى ملتزماً الصمت"، ولم يستبعد أن يأتي الحراك الشعبي "ضمن مسارات أربع قد تأتي مجتمعة أو متفرقة، وهي: الثورة في وجه الرئيس (محمود) عبّاس، والثورة في وجه حماس، والثورة في وجه فتح وحماس معاً، والانتفاضة الشعبية العارمة في وجه الاحتلال".

بهذا المعنى لا يستبعد يوسف سيناريو تكرار الربيع العربي ضد السلطة الفلسطينية، ممثلة بفتح وحماس، أو أحدهما، ولا يستبعد الانتفاضة الثالثة. وعلى وجاهة هذه التوقعات، ربما تكون هناك سيناريوهات إضافية أكثر ترجيحاً.

هناك أسباب مختلفة تقلل فرص حدوث انتفاضة ضد "فتح" و"حماس"؛ أحدها الانقسام، إذ بات الاحتجاج على أحدهما يبدو انتصاراً للآخر. وهناك تصور عام أن من ينتقد حماس "فتحاوي" بالضرورة، والعكس صحيح، لذا يتردد كثيرون بالظهور مصطّفاً مع طرف ضد آخر، أمّا الانتفاضة ضدهما معا، فإنّ مما يقلّص فرصها أنّه لا زال للفصيلين قواعد شعبية قوية، تدافع عنهما مهما فعلا، ويصعب تخيل انتقالها الكلي من تأييد الفصيلين إلى معارضتهما، حتى وأن ظهرت علامات غضب أو حيرة عند القواعد الشعبية. أضف إلى ذلك أن كل طرفٍ سيحاول تصوير ما يحدث بأنّه ضد الآخر، كما أنّ تحول الفصيلين إلى أحزاب حاكمة، يرتبط بها أجهزة أمن حزبية موالية، وموظفون يتقاضون رواتبهم وترتبط مصالحهم بالفصيلين، يصعّب المهمة، ويمكن القول أنّ الظروف الموضوعية غير ناضجة بعد لهذا الخيار. ولكن "سيناريو سحب البساط" ممكن، إذا تتسع حالة الاستنكاف الفصائلي، بابتعاد الكثير من الناشطين عن الفصائل، واللجوء إلى أطر عمل شعبية محليّة في المدن والقرى والمخيمات المختلفة، لافصائيلية، أو عابرة للفصائل (تجمع نشطاء من فصائل مختلفة)، وعمليا أصبحت هذه الأطر ذات حضور قوي لدرجة فرض أجندات الحراك الشعبي، وبات على الفصائل أن تتبع وتراقب هؤلاء الشباب المبادرين، ويعني هذا سحبا تدريجيا للبساط من تحت أقدام الفصائل، وربما تَحدُث الانتفاضة المزدوجة (ضد الفصيلين) لاحقاً، أو قد لا تكون ضرورية بإحلال تدريجي لأطر جديدة مكانهما.  

أمّا على صعيد الانتفاضة الثالثة، فإنّ هناك سيناريو أقوى؛ وفي هذا قال فادي قرعان الناشط الشاب في المقاومة المدنية في الضفة الغربية، في لقاء تلفزيوني منتصف العام 2011، إنّه لا يتوقع تكرار الانتفاضة بشكلها الذي رأيناه عامي 1987 أو 2000، بل يتوقع تطور حركة احتجاج تقوم على أحداث واحتجاجات في تجمعات موزّعة تشمل الضفة الغربية، وقطاع غزة، وفلسطين المحتلة عام 1948، وحتى مخيمات اللاجئين في الشتات، والقيام بحملات تضامن ومقاطعة، ولكنها لن تكون انتفاضة مستمرة وشاملة، بل نوعا من الموجات المتلاحقة والموزعة والمتناغمة. 

ولعل ما يدعم تصوّر فادي أمور منها وجود تساؤلات حول مدى وجود قيادة سياسية جامعة تستطيع تحويل طاقات ونضالات الشعب إلى إنجاز سياسي، وقادرة على توحيد الشارع، وعلى تحديد أدوات وآليات مقاومة ناجعة، أضف إلى ذلك شعور متنام بانسداد أفق حل الدولتين، والتركيز المتزايد على وحدة الحراك الشعبي في فلسطين التاريخية، ويُوجد هذا كله تصورات جديدة للحراك.

 تتحرك الأطر الشبابية سالفة الذكر بنوع من عقلية الحملات المتلاحقة والأهداف قصيرة المدى، التي تتراكم لتحقيق أهداف أكبر (الخطوة الكبيرة هي مجموع الخطوات الصغيرة)، إضافة إلى أنّ "الفصيلين الكبيرين"، يبدوان ضد فكرة الانتفاضة، ففي الضفة يُمنع الاحتكاك مع الإسرائيليين، حتى صارت المقاومة الشعبية محصورة في المناطق (ج) التي لا يوجد فيها قوى أمن فلسطيني، ورغم اختلاف الوضع في غزة، فقد أوضحت مسيرة القدس، الشهر الفائت، أنّ قوات حماس في غزة أيضا، حاولت منع بلوغ الفلسطينيين الحواجز الإسرائيلية في محيط القطاع، فضلا عن الحرص على التهدئة. وبهذا فإنّ فكرة المقاومة في حملات متلاحقة ومتوازية تصل درجة العصيان المدني، ربما تكون سيناريو مختلف عن الانتفاضة.

هذا السيناريو لا يلغي احتمالية الانتفاضة، فالثورات الشعبية تندلع غالباً في لحظة تاريخية معينة، وبسبب الضغط المتراكم، وشرارة مفاجئة، ولكن حتى في حالة اندلاعها فستكون لها قواعد وقوى مختلفة. 

نشر في الغد الأردنية تاريخ 10-4-2012

الارشيف