خيار "أبو مازن" الأخير

 

لماذا يواصل الدبلوماسيون الإسرائيليون التهجم على الرئيس محمود عبّاس، ووصف خطواته بأنّها "إرهاب دبلوماسي" أو "إرهاب سياسي"، فيما يرد عبّاس بالمزيد من خفض السقف يوماً بعد يوم؟

بدل أن يكون هناك حكومة جديدة نتيجة التفاهم مع "حماس" يقول الرئيس الفلسطيني إنّ تعديلا سيجري على حكومة سلام فياض، ألا يعني هذا أن ملف المصالحة دخل خانة التجميد؟

ثمّ ما الذي يعنيه قول الرئيس إن الخيارات الفلسطينية كلها مطروحة، باستثناء حل السلطة الوطنية، أو سحب الاعتراف بإسرائيل؟ هل يعني هذا مقاومة شعبية مثلا؟ وهجوما سياسيا؟ ما هي الخيارات؟ وما هو سقفها؟ هذا مع الأخذ بالاعتبار أنّ خيار الكفاح المسلّح مستبعد أصلا.

يقول عباس لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا": "إننا لا نطلب عزل إسرائيل، بل عزل سياستها الاستيطانية"! إذا فكل الخيارات المطروحة لا تصل حتى محاولة عزل إسرائيل!

وهل السياسة الاستيطانية هي المشكلة الوحيدة؟

لماذا هذا الاهتمام برسالة إلى بنيامين نتنياهو لدرجة تحديده أنّه سيرسل وفدا يضم رئيس الوزراء سلام فياض، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه؟ لماذا هذا الاهتمام بشكل وتفاصيل الرسالة؟ وهذا الوضوح الشديد في توضيح ما يتم التفكير به في شأنها، وشكليات توصيلها، بينما تبدو "الخيارات" التي يتم الحديث عنها منذ أشهر غائمة إلى هذا الحد؟! حد أنّ الرسالة تبدو الخيار الوحيد!.

يمكن الافتراض جدلا، أو فعلا، أنّ "حماس"، أو تيّارا فيها، ليست مهتمة حقاً بالمصالحة، وليس سرّا أن " حماس" تعرقل عمل لجنة الانتخابات في غزة، ولكن هذا كله لا يُقنِع بأنّه سبب تأجيل تشكيل حكومة فلسطينية، فيمكن المضي في الترتيبات مع رئيس المكتب خالد مشعل، ويمكن إحراج "حماس" في موضوع الحكومة بالمضي في التشكيل ولتعترض "حماس"، وليمضي في الانتخابات، ولتعرقلها إسرائيل.

لا يمكن فهم حالة الجمود والانتظار الراهنة، إلا من خلال التخمين، "وضرب الأخماس بالأسداس"؛ من نوع أنّه لا يوجد خيارات حقيقية لدى الرئيس الفلسطيني، وأنّه لا ثقة لديه مثلا في قدرة تنظيمه "فتح" قيادة مقاومة شعبية.      

أو أنّ هناك مباحثات ومفاوضات أو تفاهمات لا نعرفها؛ فكيف نفترض مثلا أنّ عباس يتوقع أن يقدم نتنياهو رداً إيجابياً على رسالة تحدد أسساً للحل السياسي، رفضها نتنياهو مراراً، ثم ألا يعد مثل هذا الانتظار، وإرسال الرسائل، والتباحث بشأنها مع الأميركان، نوعا من أنواع التفاوض، أو تمسكا بالعودة للمفاوضات؟! وهدرا للوقت تستغله إسرائيل في الاستيطان؟

هل هناك مفاوضات جارية؟!

لقد أدّت تجارب المفاوضات السابقة لفرضية مزمنة عند الجميع بأنّ أمرأ سريّا ربما يحصل. ولكن افتراض الأمر السرّي، والمفاوضات السرية، ربما يصبح تفاؤلا بحد ذاته، مقارنة بالتحليل الآخر الأقرب للتصديق من قبل كثيرين، وهو أنّ ما يحدث حالة جمود مدمّرة للجانب الفلسطيني. ففي رسالته التي وجهها إلى عباس عبر مجلة "فورين بوليسي"، يقول المفاوض الإسرائيلي السابق، يوسي بيلين، "لقد ناشدَكَ الرئيس الأميركي للحفاظ على الواقع الراهن. ولقد كان من الخطأ الموافقة على طلب أوباما، ويمكنك استدراك ذلك".

الصورة الراهنة هي أنّ الرئيس عباس كان يفكر في شيء من نوع إعلان موت عملية السلام، وحل السلطة، أو التلويح بحلها، أو بإعادة تعريف العلاقة بين إسرائيل والسلطة، ولكن اتصالا من الرئيس الأميركي أدى إلى التراجع، بل ومن المبرر تخيل أنّ " الحماس لحكومة وحدة وطنية فلسطينية قد تراجع في السياق ذاته.

هل هو موقف يعبر عن حيرة وانعدام خيارات؟

هناك بالتأكيد خيارات طرحها عباس في الماضي بنفسه يمكن الرجوع إليها، إذا كان هذا هو الوضع، وأهم هذه الخيارات هي التنحي وفرض التغيير في الساحة الفلسطينية، بجعل الانتخابات وتغيير القيادة أمراً حتميّاً. إذا جرى التراجع عن خيار حل السلطة، إو إعادة تعريف دورها، وإذا كان عزل إسرائيل ليس خياراً، وإذا كان طرح عبّاس باعتباره رئيس وزراء لم ينجح لإنجاز المصالحة، لما لا يُطرق خيار انسحاب عبّاس؟ أليس هذا ما تفعله أي قيادة تصل إلى طريق مسدود؟!

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 9-4-2012 

الارشيف