رمّان وحنين

 

1)   كانوا مجموعة طلبة اتخذوا ركناً قصيّا في يوم جامعي، أخذهم الحديث عن الانتفاضة، حتى غنّت فتاةٌ بصوت خافت، أقرب للحزين، لا يتناسب ولحن الأغنية "رمّانة ع خصري، وكلاشينكوف بإيدي، ودنيي شعلانة"، وعندما فوجئوا بطالب كانوا يعتقدون أنّه يراقبهم، حولّت الفتاة الأغنية بخفة ظلّها الساخرة الحزينة المعهودة، إلى أخرى هزليّة تقول: "أمّونة بعتلها جواب.."!   

2)   انتشرت في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، في السنوات الأخيرة، مراكز دراسات إسرائيلية، تمولها أسرٌ صهيونية ثريّة، ذات أهداف دعائية، مغلفة بحلّة أكاديمية، وترمي إلى محاصرة حالة الوعي المتزايد بحقيقة العنصرية الصهيونية. أحدها "معهد جيلدنهوم"، في جامعة ميرلاند الأميركية، الذي اختار شعاره في العام 2009، بعد مسابقة، حصل بموجبها الفائز على "تذكرة سفر إلى إسرائيل"! والشعار هو حبّة رمان، تظهر فيها البذور. وفي تفسير الشعار يقول القائمون على المعهد، أنّ الرمّان أحد سبعة أنواع فواكه وحبوب وردت في التوراة باعتبارها "منتجات خاصة بأرض إسرائيل". ويقولون إنّ الرمّان بحسب بعض علماء الشريعة اليهودية كان الفاكهة المحرّمة في الجنة، وأنّ عثور بني إسرائيل على الرمّان زمن التيه جعلهم يدركون أنّهم بلغوا الأرض الموعودة. ويرددون زعم أنّ الرمّان كان منقوشاً في العملات والمباني القديمة اليهودية، وفي هيكل سليمان وتاجه. كما يرددون مقولة احتواء الرمّانة 613 بذرة، هي عدد وصايا التوراة. وأنّ الرمّان مرتبط بقوة الذاكرة والحكمة، مقتبسين مقولات توراتية حول ذلك.  

يتخيّل القائمون على المعهد أنّ العبرية تنفرد بتعريفها كلمة رمّانة بالقنبلة اليدويّة، ما يعني برأيهم أنّ للرمّانة دلالة قوة عسكريّة وماديّة، كما الروحيّة والعقليّة. ولا يعرفون أنّ عرباً يستخدمون الكلمة للدلالة على القنبلة أيضاً، وأنّ للرمّان نصيبٌ في أساطير وموروث المنطقة. ويتناسون أن القنبلة اليدوية تسمى بالإنجليزية Grenade، وأن الرمّان بالألمانية "غرنادين"، وفي اللاتينية "غرانتوم"، وأنّ الرمّان موجود في آثار أريحا أقدم مستوطنة بشرية، وفي ملحمة الأوديسّة، التي أكدت انتشاره أيام الفينيقيين. وأنّ الأساطير اليونانية تقول أنّ بيرسيفوني  (Persephone)تمكنت من مواصلة الانتقال من عالم "هاديس" السفلي، إلى العالم الخارجي عبر حبّات الرمّان الست التي خبأتها معها قبل اختطافها. وأنّ من وصف الجنّة في القرآن الكريم: (فيهما فاكهة ونخل ورمّان). وأنّ غرناطة سميت بهذا الاسم زمن الحكم الإسلامي، واتخذت من الرمّان شعارا لها، حيث الرمّان بالإسبانية (جرانادا).

3)   في روايتها "الطنطورية" تتحدث رضوى عاشور عن السيدات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهن يصفن بيوتهن في الوطن، فتحكي عن إحداهن: "يضيء وجه أم نبيل وهي تحكي عن شجرة الرمّان: "تجدينها عن يمينك عندما تقصدين باب الدار". تصف طولها وحجمها وشكل فروعها وأخضر أوراقها في الأول، ثم (بعدين) حين تُجَنُّ وتزهر، وعندما تصل أم نبيل إلى الثمرة لا تتحدث عنها، بل ببساطة تمد يدها وتقطفها وتفتحها وتفرط حبّاتها أمام عينيك، فترى أحمرها القرمزي ينتقل بقدرة قادر من كفيها إلى لسانك يستطعم حلاوته اللاذعة"! 

تذكر أم نبيل رمّان الدّار، وترسمه الرسامة رندة بيروتي، بألوان مائية أخّاذه، متعمّقة بنقوش نجمة كنعان ورموزها، ويسمّي "سليم البيك" مجلته الثقافية الفلسطينية "رمّان". وتلتقط صبيّة حبّات "الرمّان" ذات مساء في المنفى.. وتحلم بنفسها مختالة بثوب كنعاني في فلسطين..

 ويبقى الصراع بين نجمة داوود ونجمة كنعان، وبين اللاجئة الفلسطينية بثوبها المطرّز، ومضيفة طيران "العال" الإسرائيلي، التي تسرق "الثوب" زيّاً لها، وتدور حرب شوارع بين مطعمين في أمستردام؛ فلسطيني و"يهودي إسرائيلي" يدّعي كلاهما الملكيّة الثقافية للفلافل، وحربٌ بين رمّان ورمّان.

عندما تكون إنساناً سترى في الرمّان حبوب خصبٍ متلاصقة جامعة، وسيطربك شراب الرمّان وأنت ترى تداخل وتناغم الكلمة والرمز من الحضارات السومرية والبابلية والرومانيّة والفنيقية.. أمّأ حين تكون صهيونيّا عنصريّا، فلن ترى إلا اللفظ العبري، وستطرب لأنّ الرمّانة قنبلة، وستراها في ملابس رجال الدين اليهود.. وتتخيلها فاكهة محرّمة، إلا عليك.

ولكن أيضا، إذا كُنتِ عربية فستخافين من "المخبر" فلا تُغنين "رمّانة"، وإذا كُنتَ باحثاً عربياً ترى الدعم المقدّم لمركز "جيلدنهوم" وغيره، بينما مركزك البحثي مفلس فقد تغني: "أمّونة بعتلها جواب"!  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-4-2012

الارشيف