اعتقال الصحافيين في "زمن السلطة الفلسطينية"

 

يشرح أحد الشباب في ندوة عن الصحافة الالكترونية، عقدت في أريحا مؤخرا، قصته التي زار فيها دائرة رسمية فلسطينية في شأن خاص، ليرى مسؤولين يشربون عصير "تبوزينا" الإسرائيلي، وكتب على صفحته على "الفيسبوك" عن ذلك، فرفع مسؤول فلسطيني قضية ضده، ولكن المحكمة برّأته بعد أسابيع. يَضحَك الصحافيون الآخرون ويقولون له "على الأقل هي قضية في المحكمة وليست اعتقالا، هذه المرة".

نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية أول أمس الثلاثاء تحقيقا تتحدث فيه عن "سلسلة إجراءات من قبل السلطة الفلسطينية ضد عاملين في الصحافة وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي". وأشار التحقيق إلى حالات اعتقال وتحقيق يعاني منها صحافيون وناشطون في الضفة الغربية. ومؤخرا، بث تلفزيون "الآن" الذي يبث من دبي، "ريبورتاجا" عن فيلم للصحافية مريم حامد، توثق فيه انتهاكات ضد الصحافة في قطاع غزة.

وفي ندوة بجامعة الخليل مؤخرا، قال غازي بني عودة، ممثل مركز "مدى" العامل في مجال الدفاع عن الحريات الإعلامية، أنّ تم تسجيل 106 انتهاكات من قبل جهات فلسطينية في العام 2011، منها 62 في غزة، و44 في الضفة.

 تشغل الوسط الإعلامي في الضفة الغربية تحديدا الآن أكثر من قضية لصحافيين وناشطين، وترد الجهات الرسمية بتوضيح الأخطاء والتعديات المهنية التي قام بها هؤلاء، أو بأنّ ما يقومون به يندرج في إطار الافتراء والشتم والتحقير وليس حريات الإعلام. ومع افتراض صحة ذلك في بعض الحالات فإنّ شدّة وإجراءات الملاحقة تعبّر عن أزمة وازدواجية معايير تعيشها وتمارسها الجهات المعنية هناك.

أولى الملاحظات التي يتوقف عندها أي مراقب، أنّ ملاحقة قضايا خطرة كالفساد، لا تتم بالحماسة نفسها، ولا يعتقل المتهمون بها أو يوقفون بالسرعة والشمولية ذاتها، وبالتالي يصبح مبررا القول إنّ ملاحقة الناشطين والصحافيين، دون شفافية في تفنيد أو ملاحقة ما يطرحونه تشكل نوعاً من الحرص على التغطية على التجاوزات والعيوب، ومنع كشفها.

ثاني الملاحظات، أنّ هذا الانشغال بقضايا الحريات الإعلامية وقضايا فساد، أو حتى تجاوزات أقل حجماً من نوع عدم مقاطعة جهات رسمية ومسؤولين للبضائع الإسرائيلية، التي تم تنظيم حملات في بعض الحالات لمقاطعتها، يعكس حالة الجمود التي تعاني منها القضية الوطنية، فلو كان هناك حركة سياسية فاعلة، قائمة على التعبئة السياسية، والإعلامية، والشعبية، على مواجهة الاحتلال لما كانت مثل هذه القضايا محور اهتمام حقيقي. وما كانت تجاوزات مهنية هنا وهناك لتستوقف المسؤولين، لأنّهم كانوا سيشعرون أنّهم في موقع قوة، ولديهم اطمئنان لقاعدتهم الشعبية، لترد على أيّة اتهامات باطلة، ولكن هذه الحساسية الزائدة في ملاحقة أي نقد، وعدم الاكتفاء بالتفنيد بالحقائق والأرقام لأي تقارير ومعلومات خاطئة، تعبّر عن التوتر والشعور بالضعف. ولأنّ التراجع عن المواجهة الأساسية مع الاحتلال، يسمح ببروز النزاعات الجانبية.  

ثالث الملاحظات، أنّ جزءا من هذه الانتهاكات في الضفة والقطاع هي من نتاج الانقسام الذي يصر ويتمسك به الفصيلان الحاكمان "فتح" و"حماس". ففي عصر الانقسام، والصراع الصفري، يُفسّر أي نقد أو احتجاج، على أنّه جزء من أجندة الخصم، وأنّه "عمالة" للفصيل الآخر، أو على الأقل في خدمته.

ليس مطلوبا السماح بالتساهل في إطلاق الاتهامات، أو التهاون في معايير المصداقية الصحافية، ولكن بالتأكيد لن يكون الحل هو الاعتقال والملاحقة بالشدة التي نراها. إذا افترضنا أنّ تقريرا ما احتوى مغالطات كبيرة فعلاً، كاتّهام متوفّين باقتراف أمور بعد موتهم، كما يقال بشأن إحدى الحالات، فإنّ أكبر عقوبة للصحافي الذي يرتكب خطأً كهذا هو كشف تسرعه وعثرته المهنية، ما سيضُر بمصداقيته، ويمكن للمتضررين أن يلاحقوه قضائياً، وأن يطالبوا بالتعويض المناسب، وأن يتحمل المخطئ تبعات ما قام به، ولكن في حالة الصحافة تحديداً، وربما في حالة ساحة كالساحة الفلسطينية، فإنّ قاعدة البراءة حتى ثبوت الإدانة تعتبر أمرا أساسيا، واعتقال الإعلامي لمجرد وجود شكوى ضده لا يمكن أن يكون ممارسة ديمقراطية أو ممارسة لحركة تحرر.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-4-2012

الارشيف