أسامة بن منقذ أم رومانو؟ 

 

بنشر هذا المقال  يفترض أن تكون قد انعقدت أمس جلسة محاكمة المهندس عيسى عمرو، منسق "تجمع شباب ضد الاستيطان" في الضفة الغربية، بعد اعتقاله في الخليل الأحد الفائت، بتهمة التواجد في "منطقة إسرائيلية"، ومعه الناشطة الهولندية "ميرا" المعتقلة بالتهمة نفسها، كما أخبرني ناشطو المدينة.

تَجمُّع عيسى (إن جاز التعبير) شباب عابر للفصائل (ينتمون لفتح وحماس والجبهة الشعبية وغيرها، ويتحركون بمعزل عن فصائلهم، دون أن يلغوا علاقتهم بها، أو بعد أن ابتعدوا عنها)، يضع نصب عينيه الدفاع عن كل شبر يستهدفه المستوطنون.

ربما تبدأ قصة عيسى الشخصية (32 عاماً)، زمن الانتفاضة الثانية، طالبا في كلية البولتكنيك، بالخليل، في السنة الخامسة، تخصص الهندسة، حيث أُغلقت الجامعة، فأصّر وآخرون على فتحها، ولم تتجاوب معهم الهيئات الرسمية بما فيها إدارة الجامعة. ولكنه بمعاونة بعض الأساتذة بصفتهم الشخصية اقتحموا الجامعة وفتحوها جزئيا، وفي حالات تحول طُلاب السنة الأخيرة كعيسى لأساتذة يدرسون طلبة السنتين الأولى والثانية، وشيئا فشيئا فرضوا فتح الجامعة على الجميع.

يوجد في الخليل، بشارع الشهداء، وحده نحو 1000 محل تجاري مغلق، أُغلق مئات منها بقرار عسكري، ومئات لمنع السير في الشارع، ما جعل الوصول لها متعذراً، أو دون جدوى لعدم وجود زبائن. هناك بيوت كثيرة تكاد تستحيل الحياة فيها، كمنع المرور من بابها الرئيسي، فيضطر البعض للخروج بترتيب مع الجيران، مع تحمل تحرشات الصهاينة بالنساء والأطفال والمسنين والرجال على السواء.

يشرح الناشط القيادي بديع دويك، استراتيجية المستوطنين في الخليل، بقيامها على فكرة "بنك الأهداف"، فيتم تحديد بيوت ومواقع للاستيلاء عليها، ثم عزل المناطق المحيطة، ومنع العرب منها، استنادا لرؤية بعيدة تتجمع فيها الرقاع التي يحتلونها لتتصل، ولهذا فإنّ معركة بيت هنا أو هناك، هي جزء من معركة على مجمل الخليل، ومعركة ضد مخطط خنق متكامل.

قبل نحو أسبوع ادعى المستوطنون امتلاك شقة ببناية من ثلاث طبقات، قرب الحرم الإبراهيمي، وحضر نحو 40 مستوطنا بحماية الشرطة والجيش واستولوا عليها، فوقعت على الفور معركة ضد الاستيلاء، وتوجه ناشطون محليّون ودوليون للبناية، حيث يقيم بعضهم الآن مع الأهالي للمشاركة في التصدي للمستوطنين الذين سيجعلون الشقة بؤرة لإرهاب أهالي المنطقة، وتوثيق جرائمهم. ومَنع الاحتلال الآن الدخول والخروج من المنطقة إلا لساكنيها، وبموجب أرقام هوياتهم، فلا يدخل أو يخرج سواهم.

ضمن مخطط "بنك الأهداف" أيضاً، قام الجيش الإسرائيلي مؤخرا بمضايقات للسيدات العاملات في "جمعية سيدات الخليل الخيرية"، ثم مُنعن من دخول الشقة، اللاتي يستأجرنها في مبنى تمتلكه بلدية الخليل، ووضعوا نقطة عسكرية فوقه لفترة.

يدرك شباب المدينة، أنّ هذه الخطوة تمهيد لتسهيل استيلاء المستوطنين على البيت، الذي يقابل موقع مدرسة أسامة بن منقذ، الذي تم الاستيلاء عليه، وتحويله لمستعمرة "بيت رومانو".

قرر شباب ضد الاستيطان، دخول البيت الأحد الفائت، وبالفعل دخله نحو 35 شخصا، معهم 7 أو 8 غربيين المنزل، رفعوا أعلام فلسطين حول المبنى، وفوق بقايا النقطة العسكرية.

وصل الجيش بوحشيته المعهودة، وأمهلهم 7 دقائق للخروج؛ فقرر ناشطون أجانب منهم "ميرا" الوقوف أمام باب المنزل من الخارج، والتصدي للجنود، وتحصن البقية في الداخل ممسكين بأيادي بعضهم لتشكيل كتلة بشرية تقاوم الخروج. استُخدم عنف مفرط، ضُربت ميرا واعتقلت، واستخدمت المياه العادمة وقنابل غاز وصوت، وتم "سحل" بديع دويك على الدرج وفي الشارع، بعد أن أقفلت المنطقة بمحيط 300 متر ومنع دخولها. أغمي على تامر الأطرش ورُمي على جانب إحدى الطرق، واعتقل عيسى.

بعد يوم من الحدث نشرت الصحف الإسرائيلية أن نتنياهو طلب من وزير الدفاع تأجيل تنفيذ قرارات قضائية بإخلاء بيت في الخليل قدر الإمكان، بدل موعد الإخلاء عصر ذلك اليوم.

مشاهد وتفاصيل ما يقوم به هؤلاء الشباب، تجعلهم يبدون كمن يصرخ في برية، تحيط بهم وحوش. هذا هو الصوت الذي تسمعه أثناء اقتحام المنزل. فيما السكون هو ردة الفعل العربية في القمم والمحافل الرسمية ومختلف الساحات، إن لم يكن التذمر من هؤلاء الشبان الذين يجعلون من احتلال منزل مشكلة!

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-4-2012

الارشيف