هل تتجه بوصلة الإنسانية إلى القدس غدا؟

 

يقول ناشط قيادي في اللجنة المنظمة لمسيرة القدس، المقررة غدا الجمعة، أنّ ناشطان بدآ الفكرة؛ أحدهما هندي والآخر أميركي، وأنّ قوى إسلامية تبنت الفكرة، كما تبنتها الفصائل ولجان المقاومة الشعبية المختلفة في الضفة الغربية، فتبنتها "حماس" في غزة، و"فتح" في الضفة الغربية، إضافة لقوى اليسار. ويرى هذا الناشط المقيم في الضفة الغربية، أنّ المسيرة على مدخل معبر قلنديا، بين رام الله والقدس، وقرب قبة راحيل بين بيت لحم والقدس ستكون مركز الحدث الأهم، لأنّ المواجهة الفعلية ستكون هناك، ولكن الحشد الدولي رسالة مهمة على تململ العالم من "إسرائيل".  

تشكل المسيرة اختبارا لآليات العمل الجديدة في الموضوع الفلسطيني؛ حيث تلعب الدبلوماسية الشعبية دورا متزايداً. ولأول مرة تقريبا، تتفق فصائل العمل الوطني واليساري والإسلامي ومعها ناشطون يهود، ومن دول مختلفة، لتستلم زمام مبادرة بدأها ناشطون دوليون، شكلوا عملية قاطرة لهذه الفصائل. ومن هنا فمن الطبيعي، وربما ما يعد علامة قوة، أن تتعدد الشعارات والأهداف المعلنة للمسيرة، بينما هناك تركيز على البعد الديني للقدس في بعض الحالات، يرفع ناشطون عالميون شعارات من نوع "التضامن مع الشعب المضطهد". وإذ يأمل المشاركون أن تشهد ما بين 60 -  80 دولة في العالم نشاطات مؤازرة، فإنّ المقاربة الدينية للقدس متميزة هذه المرة.  فالقدس هنا تمثل التراث الإنساني في وجه الإقصاء الصهيوني للآخر، وبهذا فإنّ المسيرة خطوة على طريق إعادة تعريف الصراع على فلسطين عالميا، لصراع بين قوى تؤمن بوحدة الإنسان وحريته والصهيونية القائمة على العنصرية.

لم يعد الناشطون من دول الطوق يطرحون فكرة اختراق الحدود الفلسطينية، وبحسب تتبع قامت به صحيفة يديعوت أحرنوت لصفحات "فيسبوك" فإنّ بعضها غير أهدافه من الوصول إلى القدس، إلى بلوغ أقرب نقطة ممكنة من الحدود. ويتوقع أن تلتزم المسيرة في الأردن بمسار محدد لا تخرج عنه. ولكن هذا لا يلغي أنّ المسيرة قد لا تستمر هكذا مستقبلا.

هناك توقعات كبيرة من قبل المنظمين، ودعوات متعددة من قبل جهات مختلفة للمسيرة، وإذ تعتمد المسيرة على شبكات التواصل الاجتماعي للدعوة، فإنّه لا بد من انتظار الغد لرؤية مدى التجاوب.

تحمل الدعوة إلى هذه المسيرات عددا من المؤشرات المهمة، أولها أنّ مسيرات العام الفائت في ذكرى النكسة والنكبة، لم تكن رد فعل لمرة واحدة، بل إنّ المحاولات مستمرة. وثاني المؤشرات أنّ التقاء قوى مختلفة سياسيا وإيديولوجيا، ومشتتة جغرافيا، على مسيرة تشير بوصلتها إلى القدس أمر ممكن.

لقد حققت المسيرة أهدافا عدّة بالفعل حتى قبل قيامها ومن ذلك؛ أولا، إيجاد حالة استنفار وترقب في "إسرائيل"، وثانيا، تأكيد زيارة عدد القوى المؤمنة بمناهج المقاومة الشعبية، وتمكن هذه القوى من عقد اجتماعات في أكثر من دولة، وتشكل لجنة مركزية دولية للمسيرة، يتبعها لجان مركزية في دول عدة، وهو ما يعني إمكانية تحول المسيرة إلى إطار عمل دائم ومستمر.  

هناك مجلس استشاري ضخم للمسيرة يضم قيادات من الإسلاميين مثل المرشد العام للإخوان المسلمين في الأردن همام سعيد، وليث الشبيلات، وعبداللطيف عربيات، وهناك شخصيات شبابية يهودية ناشطة بقوة في الولايات المتحدة، وعلى الأرض في فلسطين، مثل نيتا جولان، وشخصيات يسارية لبرالية وعلمانية، مثل مصطفى البرغوثي، وتوجان فيصل، ويعقوب زيادين، وصبحي غوشة، وجورج غالوي، ورسميين سابقين مثل أحمد عبيدات، ورجال دين مسيحي منهم عطا الله حنا، وشخصيات من باكستان والهند وغيرها، والمنسق العام للمسيرة ربحي حلوم، كان حتى مطلع التسعينيات عضوا في المجلس الثوري لحركة "فتح". ودعت "فتح" رسميا في الضفة الغربية للمشاركة في المسيرة، حيث يشرف محمود العالول على التنسيق بهذا الشأن، وهذا كله يفترض أنّه يعني أنّ جهودا كافية ومتنوعة تقف خلف المسيرة لإنجاحها.

سيكون يوم غد مؤشراً واختباراً لعدة أمور، من بينها قدرة السياسيين التقليديين على استخدام وسائل غير تقليدية (شبكات التواصل الاجتماعي)، وعلى مدى القدرة على تجاوز الشعارات والتعبئة الإعلامية إلى فعل على الأرض، وعلى قدرة هذه القوى المتنوعة على العمل معاً.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 29-3-2012

الارشيف