الصعود النظري للمقاومة الشعبية

 

جاء في تقدير استراتيجي صادر عن "مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات"، في بيروت، والقريب من "حماس"، أنّ خيار المقاومة الشعبية في الساحة الفلسطينية "بدأ يستعيد شيئاً من زخمه النظري، في الآونة الأخيرة، في ظل تعطل المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، وحالة التهدئة السائدة نسبياً في قطاع غزة، مما جعل المقاومة الشعبية القاسم المشترك والحل التوافقي المتاح، في هذه المرحلة الحساسة من عمر الفلسطينيين".

يعتبر التقدير أنّ هذا النوع من المقاومة "نظرية دون تطبيق"، وأنّ الأمر "ما زال أسيرا لمنطق النظرية والشعار المجرد، ولم يغادر بعد مربع التنظير السياسي والإعلامي". ومن اللافت أنّ التقدير يشير إلى "استمرار حالة الانقسام والانفصال بين الضفة والقطاع، ورغبة طرفي الانقسام في الحفاظ على مصالحهما السياسية والأمنية، التي تكرّست طيلة السنوات الماضية".

يتشاءم التقرير من إمكانية تحول المقاومة الشعبية إلى أسلوب عمل مهم، ويعتقد أنّها "سوف تراوح في حدودها الضعيفة الراهنة... على الأقل في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني الفعلي".

الملاحظ أنّ التقدير بُني على قراءة مواقف الفصيلين الرئيسيين، فتح وحماس، استنادا إلى فرضية ضمنية مفادها أنّهما سيبقيان المهيمن الرئيسي، على مجمل مفاتيح العمل الفلسطيني، وأنّهما لا يتبنيان النهج حقاً. وتتجاهل هذه المقاربة أنّ كثيرا من الحركات الاجتماعية والسياسية العالمية والعربية الراهنة، يحركها شباب ومستقلون، ليكونوا "صاعق التفجير"، ما يحفز القوى السياسية الكبرى، أو جماهيرها، للالتحاق بموجات الحراك الشعبي، وعمليّا فإنّ نماذج المقاومة الشعبية الراهنة في فلسطين، يقوم بها إمّا مستقلون، أو أفراد يتحركون بمعزل عن فصائلهم، دون قرار منها، ودون أن يتركوها. كما يتجاهل التقدير أن الحركات الجماهيرية تنتقل أحياناً لمرحلة الانفجار دون تدرج ودون قرار.

يقصد التقدير بمسألة الصعود النظري، أنّ نهج المقاومة الشعبية يبقى شعارات دون تطبيق، وعمليّا يعترف الناشطون في هذا الميدان من المقاومة بمحدودية دوره حتى الآن، ففي قطاع غزة، لا يبدو أنّ هناك إمكانية، أو تصور حقيقي لممارسته، باعتبار قوات الاحتلال غير موجودة على الأرض هناك. وفي الضفة الغربية فإنّ هذا النهج محصور في المناطق (ج)، التي تسكنها نسبة لا تتعدى 4% من أهالي الضفة، رغم أنها تشكل نحو 60% من مساحتها، ويشير هؤلاء الناشطون إلى النتائج المتواضعة التي تحققها حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية، إذ تستهلك الضفة ومعها القطاع، نحو 4 مليار دولار من هذه البضائع سنويّا. وانشغل الشارع الفلسطيني مؤخرا بصور وزعها ناشطون في الإعلام المجتمعي والالكتروني لمسؤولين في الضفة يقدمون العصائر الإسرائيلية في اجتماعاتهم ولقاءاتهم الرسمية، ما يثير تساؤلاً حول جدية المقاطعة.

ولكن مسألة الصعود النظري يُمكن أن يُقصد بها أمر آخر، ويمكن أن نتحدث عن صعود مهم؛ إذ تتبلور بالفعل نظرية لمفهوم هذه المقاومة، ومعالم يطرحها الناشطون، أهمها أنّ برامج هذه المقاومة تشمل كل فلسطين، من النهر إلى البحر، على اعتبار أنّ سياسات الفصل العنصري الصهيونية تشمل كل فلسطين، وهناك عمليات وبرامج وجمعيات غير حكومية، تُـشبّـك بين قطاعات فلسطينية مختلفة، من النقب إلى الجليل، وصولا إلى الضفة وغزة، ونرى في حملات فتح شارع الشهداء في الخليل مثلا، مِثل هذا الحضور للقوى الفلسطينية المختلفة، وهناك حملة تضامن عالمية نشطة، تتحول تدريجيا إلى مؤسسات وأطر عمل محددة لها وجوه شعبية، تكتسب تدريجيا مكانة رمزية وتتحول إلى مرجعية عملية لكثير من الأنشطة. ولا يستثني غالبية القائمين على هذه الحملات الحق في استخدام جميع أنواع المقاومة بما فيها المسلحة، وإن تجنبوها لأسباب وحسابات سياسية ولوجستية راهنة.

عمليا هناك لجان شعبية فاعلة ونشطة، وهناك أفكار تتبلور، وأطر مؤسسية عابرة لمناطق الشتات والوطن الفلسطيني، تقوم على تطوير هذه المقاومة. وفي الماضي، حتى في الثمانينيات، لعبت لجان شبيهة تابعة لفصائل يسارية صغيرة حينها، دورا في إنضاج ظروف دفعت "فتح" والإخوان المسلمين لتبني نهج المقاومة الشعبية، كما ظهر في انتفاضة 1987.

لذا فالإيجابي هو التبلور النظري المتزايد لأفكار المقاومة الشعبية، ولكن لا زال هناك الكثير من العمل والتشبيك للتحول إلى مواجهة جماهيرية متكاملة ويومية في كل فلسطين. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 28/03/2012

الارشيف