مباريات الكهرباء الغزيّة

 

يجب أن يكون التحول في نقل الوقود من معبر أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل، إلى معبر رفح الواقع تحت السيطرة الفلسطينية المصرية هدفا وطنيا يتم السعي إلى تحقيقه، أما الإصرار على نقله عبر المعبر الأول تحت ذريعة أن إسرائيل ما زالت مسؤولة عن القطاع، بصفتها قوة احتلال، أو أن الوقود يجب توفيره عبر إسرائيل لأنّ هذا من مهام قوة الاحتلال بموجب القانون الدولي، فهي أمور غير مفهومة، وهو ما تتبناه، من بين أمور أخرى، السلطة الفلسطينية في رام الله، والمسؤولون في مصر. وبالمقابل تقوم "حماس" بكثير من الأمور غير المفهومة أيضاً.  

ما يجري في قضية الكهرباء في غزة هو تجسيد لما قاله الكاتب الفلسطيني حسين أبو النمل، في مقاله بصحيفة السفير مؤخرا، إذ أصبحت قرارات ومواقع الفصائل مبنية "على خلفية معيار فلسطيني تنافسي داخلي، وليس معيار الصراع مع إسرائيل"، بكلمات أخرى نحن في مباراة بين "فتح" و"حماس" بحكَم مصري، وربما متفرجين إسرائيليين، بينما الشعب غير موجود في المشهد، ويقول البعض خُبثاً إنّ الأصل أن الشعب هو كأس البطولة، بينما الحقيقة أنّه أصبح الكُرة التي تتقاذفها الأقدام.   

هناك مجموعة دعاوى ومزاعم ضد سلطة "حماس"، نجدها من مصادر في "فتح"، ومصر، وحتى من أشخاص عاديين في غزة، منها أن "حماس" تريد فرض شروط مالية في عملية التوريد، تحقق لها مكاسب ضريبية، وسيطرة، ومكاسب سياسية، في إطار المعركة مع السلطة في رام الله.

وهناك دعاوى تقودها "حماس" بشكل رسمي، وصل الأمر معها الإعلان عن مؤامرة ووثائق موجودة لديها، عن مخطط مقصود من قبل "فتح" والقيادة في رام الله، بالتعاون مع أطراف أخرى إقليمية ودولية لتضييق الحصار على قطاع غزة بهدف إسقاط حكومة حماس.

في واقع الحال أنّه لا يمكن الثقة بأنّ أيّا من دعاوى أي طرف صحيحة في ظل تضارب المعلومات، وعدم توضيحها تماما، ووثائق "حماس" المزعومة لا تعني شيئا دون إعلانها، ولن تقنع الشارع ولن توجه النار بعيدا عن حكومتها، دون إعلانها بوضوح وشفافية.

عرفنا أن إطاراً موسعاً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد تشكل، فلماذا لم تجتمع هذه اللجنة لنقاش هذا الموضوع، وتخرج بحل جماعي، لحسم الموضوع السياسي أولا، ومسألة دلالات نقل معبر الوقود؟ ثم يتم تشكيل لجنة مشتركة، يغلب عليها التكنوقراط تقوم هي بالاتصال مع المصريين والعرب والعالم، وتضع أمام الرأي العام حقيقة الأمور.

ما يجري الآن هو إلى حد كبير، كما أسلفنا، إخراج إسرائيل إلى موقع المتفرج. أو بكلمات أدق هو الدخول في معارك مع العدو الخطأ في الميدان الخطأ. ما يجري هو رغبة "حماس" وخشية "فتح" أن يجري حل الأزمة بما يحقق مكاسب لفصيل ضد آخر، أو على الأقل منع فصيل من تحقيق مكاسب. وهو ما يؤكد تماماً أن اتفاق المصالحة، مجرد حبر على ورق، ومجرد ذر للرماد في العيون.

هناك الآن اتهامات ومزاعم كثيرة جدا، من نوع أنّ الحكومة في رام الله تقدّم دعما كبيرا للكهرباء في غزة، وتريد حكومة حماس تحقيق مكاسب مجانية سياسية ومالية، ومزاعم أن حكومة رام الله تضغط على "حماس" بهذه الطريقة على حساب الشعب، وأن "حماس" تريد تكريس فصل القطاع عن الضفة، والاستقلال بإمارتها، كما أنّ هناك نقاشات حول الاحتلال وواجباته وغير ذلك.

استمعت وقرأت مؤخرا عن استطلاعات تقول أنّ نسبة تأييد الشعب الفلسطيني للفصائل مجتمعة تتراوح بين 38 إلى 50 بالمئة فقط، ما يجب أن تدركه الفصائل أنّها دون تسجيل نقاط في المرمى الإسرائيلي ولصالح الشعب، ستخسر شعبيا أكثر، وأنّ وحدتها هي المدخل.

قد يُقنع اجتماع للرئيس محمود عباس مع خالد مشعل، أو اسماعيل هنية، بحضور الخبراء الشارع أنّ القيادات تريد حل المشكلة لمصلحة الشعب. وسيحتفل الشعب بقياداته ويعتبرهم أبطالا، لو رأينا مثلا عباس ومشعل أو قائد حمساوي أخر، يدخلان غزة معا، ويدشنان خطا للوقود ينهي الارتباط مع إسرائيل، ويستكمل تحرير غزة، أو لو رأينا حكومة موحدة تفعل ذلك.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 26-3-2012  

الارشيف