كأس أوروبا في إسرائيل

 

ترددت قبل الكتابة في هذا الموضوع، إذ تعوزني القدرة على متابعة خفايا ساحات كرة القدم وثنايا شؤونها. ولكن للموضوع شق سياسي، ودعائي، مهمان، يدفعان للمغامرة بإثارة الموضوع حتى دون معرفة كافية لبعض جوانبه، عسى أن ينتبه له العارفون في الأمر، فيقدمون معلومات وافية وآراء صادرة عن خبرة، لبدء تحرك مثمر.

لقد اتُخذ قرار منذ عام بتنظيم كأس أوروبا لكرة القدم، تحت سن 21، في إسرائيل، ولم نسمع ردة فعل تُذكر. ومؤخرا بدأت حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني، في أوروبا، حملة بهذا الشأن، ترجو اتحاد كرة القدم الأوروبي عدم إقامة البطولة في إسرائيل. وتشير الحملة إلى أنّ رئيس اتحاد كرة القدم الأوروبي، ميشيل بلاتيني، تعهد في العام 2010  بمحاربة العنصرية، وقال "إنا نقبلهم في أوروبا بشروط للعضوية، وعليهم احترام القوانين والأنظمة الدولية، وإلا فلا مبرر لبقائهم في أوروبا. وعلى إسرائيل أن تختار بين السماح للرياضة الفلسطينية بالاستمرار والازدهار ومواجهة تبعات سلوكهم".

في ذات العام، 2010، أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزيف بلاتر في رسالة إلى الأمير سلطان بن فهد رئيس الاتحادين العربي والسعودي أنه سيبذل ما في وسعه لدعم كرة القدم الفلسطينية. وذلك ردا على رسالة سلطان بن فهد "بشأن ضرورة قيام رئيس الفيفا ببذل مساعيه وجهوده للوقوف إلى جانب الرياضيين الفلسطينيين وإعطائهم حقهم الشرعي في ممارسة أنشطتهم الرياضية بما فيها كرة القدم أسوة بالرياضيين في جميع دول العالم في ظل تلك الممارسات التعسفية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الرياضة الفلسطينية".

لا معنى لهذه التصريحات عندما تمنح "إسرائيل" شرف استضافة بطولة كهذه. أو أنّ الطرف العربي والفلسطيني لم يزود أوروبا بسجل إسرائيل القمعي. الأصل أن يكون هناك حملة رسمية وشعبية موجهة للرأي العام الأوروبي، والجهات الرسمية هناك، على ثلاث أسس، هي أولا، أن قبول إسرائيل في الاتحادات الرياضية الأوروبية، خطأ تاريخي وجغرافي، وعمل عدائي للعالم العربي، فإذا كان الشرق الأوسط يرفض إسرائيل، فإن قبول إسرائيل في الرياضة الأوروبية هو تقديم ملجأ للمجرم. وثانيا تعكس تصريحات بلاتيني موقفا يبدو منه كما لو كان مطلوباً فقط عدم تعطيل إسرائيل للرياضة الفلسطينية، والأصل مناهضة كل سياسات إسرائيل العنصرية في كل المجالات. وعلى سبيل المثال تم منع جنوب إفريقيا من الألعاب الأولمبية، وبطولة كأس العالم لرياضات عالمية مختلفة، حتى العام 1992، وهو ما كان له آثار سياسية مهمة ضد نظام الفصل العنصري هناك، وهذا بسبب سياساتها العنصرية بشكل عام وليس في الرياضة فقط. وثالثا، إنّ سجل إسرائيل في إعاقة الرياضة الفلسطينية حافل، ويجب توثيقه وترويجه، وتحويله إلى قضية سياسية. يجب إثارة موضوع البنية التحتية الرياضية الفلسطينية التي تدمرها إسرائيل أو تمنع بنائها، كعرقلتها عام 2009، بناء ملعب قرب مدينة البيرة، بحجة أنه في المنطقة (ج)، التي بحسب اتفاقيات أوسلو بقيت تحت سيطرة الاحتلال. وهناك حالات كثيرة يجب توثيقها مثل منعها خمسة لاعبي كرة قدم من السفر للعب ضد أوزبكستان في كأس العالم، عام 2004، وعدم قدرة المنتخب الفلسطيني على استضافة فرق أخرى في بطولات عالمية مما يجبره أن يلعب خارج أرضه ما يجب أن يلعبه محليّا وبين جمهوره، وهناك حالات أخرى، لا أملك الخبرة لرصدها.

لا يجب فضح السياسات الإسرائيلية التي جرت في الماضي فقط، ربما يجب افتعال مواقف توضح ما هو الاحتلال، مثل الإصرار على تنظيم دوري كرة قدم يجمع غزة والضفة، وإثارة عرقلة إسرائيل لتنقل اللاعبين، في الاتجاهين، وحتى عرقلة دخول لاعبين فلسطينيين مقيمين في الخارج، وتحويل ذلك لقضية سياسية وإعلامية وقضية رأي عام، تفضح وجه الاحتلال وتحرض ضده.

تقتضي الإدارة السليمة لموضوع كأس أوروبا لكرة القدم في إسرائيل، تحويلها لأزمة وفرصة سانحة لفتح ملف مقاطعة إسرائيل عالميا، ثقافيا ورياضيا، وسياحيا، واقتصاديا. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 21/03/2012

الارشيف