"هاجي – نتنياهو": تحالف الدين والمال الصهيونيان

 

تنقل هآريتس، أنّ القسّ جون هاجي، رجل الدين الأنجليكاني الأميركي، والذي تصفه الصحيفة بأنّه قائد أكبر جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وصف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ليلة الأحد الفائت، وهو "نصف يمزح" أثناء حفل، تأخر نتنياهو عليه "أنّه المسيح المنتظر".  وقال إنّ هناك مقولة في اليهودية أنّ "المسيح سيأتي ولو تأخر". وفي تقديمه للجمهور عند وصوله بالغ هاجي كثيراً، فتحدث عن فتوحات نتنياهو الاقتصادية والسياسية، وعن زواجه إلى سارة (في إشارة كما يبدو إلى اسم سارة التوراتي)، وتحدث عن ابنه "جونثان" المتعمق بدراسة العهد القديم، وكيف يستيقظ نتنياهو يوميّاً في السادسة صباحا ليدرسه مع ابنه. ويستمر هاجي بقوله: "لقد غير (نتنياهو) مسار المسيحية في أميركا، عام 2006، عندما سألني هل يمكن أن يتحد المسيحيون في أميركا لأجل إسرائيل؟". وقال إنّ "إسرائيل القديمة لديها موسى الذي قادهم في الصحراء، ولديهم الملك داوود في العصر الذهبي، الذي فتح القدس، والآن لديهم بطل أمام الخطر الذي يهدد وجود إسرائيل".  

صحح نتنياهو بعض مبالغات هاجي، فنبه إلى أنّ اسم ابنه "أفنير"، وأنّه يقرأ العهد القديم أيام السبت، بعد الغداء.

ما يلفت النظر في طرح هاجي عدا الخطاب الديني، والمبالغة، توقفه عند دور نتنياهو في دعم القطاع الخاص، وتقليصه القطاع العام.

قبل مناقشة قصة "هاجي - نتنياهو" لا بد من تذكر أنّ نسبة المسيحيين في القدس تراجعت من نحو ربع سكان القدس مطلع القرن العشرين، إلى نحو 1.8 بالمئة الآن، وأنّ المسيحيين الفلسطينيين تعرضوا لحملة صهيونية مدعومة بريطانيا منذ بداية القرن العشرين لتهجيرهم، وتحتاج تفاصيل هذا مناقشة منفصلة.

ولكن بالتعليق على علاقة المسيحية الصهيونية بإسرائيل فإنّه لا يجب التقليل من شأن هذا التحالف، ولا يجب المبالغة كذلك.

تظهر دراسة في عدد مجلة "فورين أفيرز" الأخير، أعدها أكاديميان هما ديفيد كامبل، وروبرت بوتمان، مدى التحالف القائم بين "حزب الشاي" الذي تأسس في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، والقوي داخل الحزب الجمهوري، وبين المتدينين. ومعروف أنّ هذا الحزب يقوم على سياسات تدعم القطاع الخاص، وخفض الضرائب على الأغنياء، وتقليل دور القطاع العام والحكومة، وهو ما يتفق مع طروحات نتنياهو كثيرا، ويعكس تحالفاته مع الأثرياء الأمريكان والإسرائيليين.  

ولكن لفهم مدى قوة الصهيونية المسيحية بدقة يجب تذكر فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية رغم تأييد المتدينين البيض لمكين، بنسبة تصل إلى 76%. وبحسب استطلاع تشير له الدراسة المذكورة، فإنّ 80% من عينة مستطلعة عام 2011 رأت أنّه ليس مناسبا لرجال الدين إبلاغ السياسيين ماذا يفعلون، ويرى 70% ضرورة إبعاد الدين عن الجدل في الشؤون الاجتماعية والسياسية. كما أنّ نسبة من يصنفون أنفسهم في الوثائق الرسمية بأنهم "بلا دين" ارتفع من نحو 5- 7 بالمئة في الستينيات، إلى 12% في التسعينيات، إلى نحو 19% عام 2011. وتشير الدراسة أنّه حتى في أوساط المتدينين هناك ميل متزايد للابتعاد عن السياسة، وأنّه مقابل تأييد المتدينين البيض للجمهوريين، يؤيد المتدينون من أصل إفريقي  الديمقراطيين.

إذا هناك تحالف بين المسيحية الصهيونية، والصهيونية، ويرتبط ذلك بالأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، وهو ما يعكس قدرة كبيرة على التأثير، فإنّ الصورة الأدق هي حالة الاستقطاب في الشارع الأميركي، بما فيه بين المتدينين، ولكن المشكلة هناك أن الدين السياسي منحاز لإسرائيل، بينما الدين غير المسيس غير مكترث بالموضوع، أي أن المسيحية الصهيونية لا تجد تحديا عندما يتعلق الأمر بفلسطين وإسرائيل.

كذلك يمكن الإشارة إلى أنّه في أوساط الكنائس الأوروبية، بما فيها البروتستانتية، جرت مراجعات واسعة في العقدين الماضيين، خلصت إلى مناهضة السياسات العنصرية الإسرائيلية، خصوصا في القدس.     

السؤال أنّ نتنياهو وكثير من الصهاينة يخطبون ود المسيحية الأنغليكانية للاتحاد لأجل إسرائيل، فأين القائد العربي الذي يوضح للعالم خطورة السياسة الصهيونية على حرية الأديان، وما يعانيه المسيحيون الفلسطينيون؟ والذي يطالب كنائس العالم، مثلا، بالوقوف ضد السياسات الصهيونية الإقصائية العنصرية، في مهد المسيح والقدس؟.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 20/03/2012

الارشيف