عملية القسطرة الإسرائيلية: لماذا هذه الحرب؟ 

 

أثارت مواجهة الأيام الأربعة الأخيرة في غزة عددا غير مسبوق من الاسئلة، وعمليا تمحورت النقاشات في الجانب العربي حول ماهية الأسئلة التي يجب طرحها، أكثر منها حول الإجابات عن أسئلة معروفة.

لماذا قامت إسرائيل بالتصعيد الآن تحديدا؟ ما هي علاقة ذلك بزيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما علاقته بضرب إيران؟ وما علاقته بسوريا؟ وهل هو اختبار لعالم ما بعد الربيع العربي؟ ولمشروع المصالحة الفلسطينية؟ والتزام "حماس" و"فتح" بالتهدئة؟ وهل هو قطع للطريق على تحرك السلطة الفلسطينية نحو توجيه رسائل قد تضع مستقبل السلطة الفلسطينية في موضع أقرب للمراجعة منه في أي وقت سابق؟ كل هذه اسئلة تداولتها مع عدد من الكتاب والقراء والسياسيين.

في المقابل يكشف زئيفي بار إيل في "هآريتس" حالة الحيرة في الشارع الإسرائيلي أيضا حول سبب المواجهة؛ ويقول إنّ "ضبط" ومتابعة قبة الدفاع الصاروخي بدت هي المَهمّة في إسرائيل في الأيام الفائتة، وتمت تنحية قضية إيران جانباً، ويقول إنّ أحداً لا يتذكر الآن في إسرائيل اسم زهير القيسي، أمين عام لجان المقاومة الشعبية، وأنّ وزير الدفاع إيهود باراك، قال إنّ العملية التي استهدفت القيسي الذي "يبدو" أنّه كان يعد عملية عسكرية، وأنّه (أي باراك) غير متأكد أنّ الاغتيال أوقفها. ويقول الكاتب إنّ العملية غير المؤكدة، وإيقافها غير المؤكد، كان الذريعة التي قضى لأجلها مئات الآلاف من الإسرائيليين أيامهم في الملاجئ.  ويقول "لا يوجد لهذه الحرب حتى أهداف واضحة". ويضيف أنّ "حماس" تبتعد عن إيران وسوريا، وتطرح المقاومة المدنية الشعبية سبيلا للتحرير، وأنّ هذا كله كان يمكن أن يبرر عدم الحرب، ويرى أنّ أسبابا أيديولوجية وشخصية تحكم عقل قادة إسرائيل هي التي سببت الحرب، ويقول إنّه بعد الرد الصاروخي الذي قامت به سرايا القدس ولجان المقاومة، فقد أصبحت مقولة "تدمير البنية التحتية للإرهاب" هي الذريعة. وفي افتتاحية للصحيفة، تحت عنوان "الولايات المتحدة لن تحمي إسرائيل من شنق نفسها"، جاء أنّ واشنطن لم تعد تطلب أو تعارض شيئا تقوم به إسرائيل، لا الاستيطان، ولا اشتراط شيء عليها مقابل التمويل الضخم لترسانتها العسكرية، فيفعل قادتها ما يحلو لهم، وتتدخل الولايات المتحدة فقط للتأكد من أن المنطقة وردود الفعل فيها تحت السيطرة.

بدت العملية الإسرائيلية الأخيرة أقرب لعملية القسطرة المعروفة للقلب! فالطبيب يضطر أحيانا، أو دون ان يضطر في أحيان آخر ودون حاجة حقيقية، إلى عملية للتنظير يتأكد من وضع القلب فيها. وهكذا عملية إسرائيل تكشف الكثير عن الوضع في غزة، والوضع الفلسطيني، والعربي، عسكريّا وسياسيا. ومن النتائج مثلا أنّ شريان الدعم العربي ما زال مغلقا، فلا مليونيات تحركت في الشوارع، ولا رد فعل رسمي عربي أو شعبي يذكر. وحالة التردد مستمرة فسطينيا بل متفاقمة. ولكن اتضح أن شرايين المقاومة لا زالت تنبض بأكثر مما توقع الإسرائيليون.

تحمل حرب الأيام الأربعة الأخيرة درسان؛ أولهما، أنّ إسرائيل تقوم بالحرب لأي سبب تراه، طالما أن الثمن وردود الفعل المتوقعة ليست كبيرة، فالحسابات الشخصية، وحتى مجرد تجريب قبة دفاع صاروخية، تبرر استثمارا تجاريا كبيرا في التصنيع، وتجربة لإقناع دول أخرى لشراء القبة من إسرائيل، يمكن أن يكون سببا. أمّا الأسباب الإقليمية والسياسية فأمرها متروك للمحللين والسياسيين في المنطقة، ليختاروا ما شاءوا منها. وباعتقادهم أنّ أمن إسرائيل ذريعة مقبولة لأي حرب، وأنّه لا يوجد ردة فعل يخشونها. 

في المقابل فإنّ الدرس الذي يتعلمه الفلسطينيون للمرة العشرين، أنّه لا داع للاعتماد على موقف عربي شعبي أو رسمي؛ لا يعني هذا تقليل الاهتمام بهذه المواقف، أو التقليل من الانتماء العربي، ولكن في النهاية ما زال الوضع العربي بعيدا جدا عن أن يكون عاملا للتعويل عليه. في النهاية فكرة العامل الذاتي، المستفيد قدر الإمكان، من الدعم العربي والإسلامي، هي ما يمكن التعويل عليه، كما أن الوحدة الداخلية عامل مهم جدا لتعزيز القدرة الذاتية على الأداء والرد والردع.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 15-3-2012

الارشيف