المقاومة والتحرير... أسئلة دون "شيطنة"

 

تشير المواقف العملية إلى أنّه لا يمكن لأي قوة فلسطينية ادّعاء أنّها عاكفة على تحرير فلسطين بالقوة العسكرية. ولكن ناطقين باسم فصائل مثل "حماس" يُشيطنون من يقول هذا.

في السابق كان النقاش يدور حول أنّ ما تقوم به حركات المقاومة خصوصا منذ بداية التسعينات، وأثناء انتفاضة الأقصى هو "حركة مقاومة" وليس "حركة تحرير"، بمعنى أنّ العمل العسكري مهمته رفع كلفة الاحتلال، وإبقاء القضية حيّة، وكانت هناك قناعة تتعاظم تدريجياً أنّ دحر الاحتلال تماما بسلاح المقاومة غير ممكن. وحتى في الماضي، في الستينيات، طرحت "فتح" في بداياتها نظرية "التوريط الواعي" القائمة على جر المنطقة للحرب، وتحريك الصراع العربي الإسرائيلي، على اعتبار أنّ الدول العربية قادرة على هزيمة إسرائيل، ولكن هناك مشكلة قرار سياسي بشأن ذلك، وكذلك مسألة تهيئة الميدان، وسقطت هذه النظرية بهزيمة عام 1967، فاستُبدلت بنظرية حرب التحرير الشعبية، التي لم تصمد طويلاً.

وتؤكد تصريحات قادة "الجهاد الإسلامي" مؤخرا أنّ الحركة أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة التهدئة؛ فبينما لا يوجد مقاومة عسكرية من الضفة الغربية، وهو أمر تقوم "حماس" والجهاد الإسلامي" بتحميل السلطة بقيادة "فتح" مسؤولية منعه، فإنّ الكفاح المسلح من غزة أوقف بقرار "حماس" و"الجهاد" وباقي الفصائل، ويتم تبريره بأنّ غزة تحررت. ويعني هذا التبرير ضمنا أنّ فكرة الكفاح المسلح انطلاقا من الدول العربية غير مقبولة، ولا يمكن لأحد المطالبة بها، فقطاع غزة ليس أفضل من جنوب لبنان فكلاهما محرر!   

وعمليا دخلت فصائل غزة بالكامل في منطق "لا تضربون ولا نضرب"، و"إذا عدتم عدنا". ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن قيادي في "الجهاد" قوله إنّ الصواريخ التي بحوزتهم، ويصل مداها بين 60 و 110 كم، "لن يتم استخدامها إلا إذا قامت "إسرائيل" باستهداف شخصيات كبيرة".

مما يعني أنّ سلاح المقاومة في غزة أصبح للردع، وليس لتحريك القضية أو ضمن ديمومتها، فضلا عن التحرير. وإذا توقفت إسرائيل عن "الضرب" فستتوقف البندقية من غزة.

لا تعترف "حماس" وناطقوها الرسميّون أنّ الأمر كذلك، ويُشيطنون من يستنتجه؛ فيقول مشير المصري "ما تتحدث به بعض الأصوات للنيل من حركة المقاومة الإسلامية "حماس" حول تراجعها عن تبني المقاومة، هذا حلم يراود البعض من خصوم "حماس"، وأؤكد أنه أضغاث أحلام ما أنزله أحد على عقولهم إلا الشيطان. ويعتبر أن هؤلاء من "الأصوات النشاز"، وعلى هؤلاء ألا يحلموا بأن تغادر "حماس" موقع المقاومة، وأن يدركوا أن الخيار الاستراتيجي لـ "حماس" هو خيار المقاومة".

رغمّ أنّه لا يوجد من ادعى عمليا توقف "حماس" عن المقاومة، أو يريد أن يحلم بذلك، بل الحديث عن توقف المقاومة المسلحة كما نرى على الأرض، فإنّ المصري لا يحدد ماذا يقصد بالمقاومة، قبل أن "يُشيطن" من يُشيطنهم. فإذا كان يقصد المقاومة المسلحة، فالأمر يحتاج توضيحا، وإذا كان يقصد المقاومة بمفهومها الشامل فإنّ ذلك يحتاج توضيحا أيضاً.

الوصول لحالة ردع مع إسرائيل في غزة إنجاز يُحسب للمقاومة ولا يجوز التقليل من شأنه. أمّا كيف سيتم تحرير فلسطين، كل فلسطين، فهذا أمر غامض. كيف سيتم تحرير يافا، وعكا، وحيفا؟ ما هي خطط العمل هناك؟! فمثلما تُعلن حماس أنّ المقاومة مستمرة تؤكد وحدة فلسطين التاريخية.

لا يجوز لأحد الاستغناء عن الكفاح المسلح باعتباره أحد أدوات التحرير المشروعة، وبالتأكيد فإن الخلل في الماضي كان في طريقة إدارة هذه الأداة، أكثر منه في الأداة ذاتها. ولكن بالمثل يجب عدم المزايدة بأنّ هذه هي الأداة الوحيدة، فلا بد من مؤازرتها بأدوات أخرى، كما أنّ تغيير وظيفة هذه الأداة إلى الردع، أو حتى تجميدها أحياناً، أمر لا يجب الخجل منه، إذا كان ضمن استراتيجيات عمل واضحة.  

لا يجوز اتهام من يسأل عن استراتيجية التحرير، بأنّه صوت نشاز، أو به مسٌ من الشيطان، فهذا سؤال مشروع، والرد المنطقي يكون بتقديم استراتيجية واضحة.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 19-3-2012  

الارشيف