رفيف... سوسنة الصخر

 

تقف على مسرح كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (سواس) في جامعة لندن، وتقول بالعربية "اسمحوا لي أن أتكلم بلساني العربي، قبل أن يحتلوا لغتي أيضاً"، وتُخبر الحضور بالإنجليزية أنّ عليها استخدام لغتها الأم، قبل أن يستعمروا ذاكرتها أيضاً. ثم تُعلِمهم عن قريتها بين حيفا ويافا، وتصف لهم فلسطين في عيون الأسير خضر عدنان الملونة، وتتحدث عن زوجة خضر، وتنطق اسم فلسطين بالعربية ضاغطة على الحروف، فتتعالى قبضات وصرخات شباب الجامعات اللندنية، تهتف باسم خضر. ألمحُ بعيدا الفتاة البنجالية ترتدي جلبابا أسود، وجدتُها وزميلها في الشارع، فقاداني في دهاليز الجامعة وصولا إلى القاعة، وأخبرتني أنّها أكلت "أطيب بيتزا زعتر" في العيزرية، قرب القدس، ويبدو أنّها تقصد "مناقيش".. الأميركية "ليلى" القريبة تكاد تبكي بصمت، وروح خضر عدنان، الشيخ الوسيم، تسيطر على الكُل الصاخب. 

عرفتُ رفيف كما عرفها العالم من خلال مقطع اليوتيوب الذي انتشر دون توقف في الشهور الماضية، متحدّية صحافيّا كنديا سألها لماذا لا يتوقف الفلسطينيون عن تعليم أبنائهم الكراهية، فردّت بقصيدتها المدويّة "سيدي، نعلّم الحياة!".

تعمل رفيف بالتدريس في (سواس)، وتستكمل الدكتوراه في كندا.

نسيتُ أن أسألها متى عرفَت بحكاية عائلتها أول مرة، ولا أعرف إن كانت تَذكُر ذلك، فقط قالت إنّ البداية كانت إخراجُهم ضمن اللاجئين عام 1948 بحرا إلى لبنان. وأول ذكرياتها طفلةً، وقعُ قذائف وصواريخ الاجتياح الإسرائيلي للبنان مطلع الثمانينات، وتَعتقد أنّها، والفلسطينيين محصارون منذ ذلك الحين، ومطلوب أن يتنازلوا عن حقوقهم.

شِعرُها عباراتٌ قصيرة متدفقة تفصل بينها وقفات ألم، كطلقات رصاص باكية، بكلمات راعفة.

سألتُها هل كنتم تتنقلون بوثائق سفر لبنانية؟ قال لا، كنا بدون وثائق! عاشوا بعد لبنان، في تونس، وقبرص، واليونان، ثمّ كندا.

بينما كانت تُشارِك في احتجاج على الجرائم الصهيونية، أثناء دراستها في كندا، يُمثّلون فيه مشهد حاجز عسكري للاحتلال، ركلها طالب صهيوني وهي على الأرض، وقال لها تستحقين الاغتصاب قبل أن تلدي إرهابيّا. بعد أسبوع أطلقت الشِعر الذي طالما كتَبَتهُ لنفسها، خاطَبت الجمهور بقصيدتها "ظلال الغضب".

   تتحدث عن أسبوع مناهضة الأبارتهايد (الفصل العنصري) الإسرائيلي، الذي قادته في لندن مؤخرا، وتقول إنّه انطلق في كندا عام 2005، ليصبح حدثا عالميا، نُظّم هذا العام في 112 مدينة حول العالم، بجهود متطوعين، ودون تمويل يُذكر سوى تبرعات زهيدة من الأفراد، وأرسلت إسرائيل 100 شخص لبلدان مختلفة لمحاولة التشويش عليه.

بدا لي الأسبوع (الذي يستكمل جولته إلى عمّان هذا الأسبوع) كما رفيف، من عصر مجتمع الشبكات، وعالم ما بعد الفصائل، وما بعد الأُطر المنظَمة، ويَستخدِم التشبيك الالكتروني والشخصي. وقد سألني إعلامي عن اسم الهيئة التي يمكن أن يتصل بها ليغطي الأسبوع، فقلت له: لا اسم للمجموعة، هذا "عالم ما بعد الأسماء".

سألتُها: ألاحظ أنّكِ وناشطين آخرين مثل هويدا عرّاف، وريمي كنازي، لا تهتّمون كثيرا لمصطلحات السلام، وعندما يسأَلكُم الجمهور الغربي عن الأمر، تَردُّون بمصطلحات العدل والحرية؟ فقالت "مشكلة لغة السلام في حالتنا، أنّها أصبحت تعني السلام دون العدل للفلسطينيين، "السلام" للإسرائيليين يعني فلسطينيين مستكينين في الضفة الغربية وغزة، يتدبرون أمورهم بصمت، بينما تواصل إسرائيل السيطرة على الحدود والاقتصاد وكل شيء".

في تصوّرها لأسبوع "الأبارتهايد"، فهو عن كل فلسطين، وتقول "العدل، على أي حال يعني، حق عودة اللاجئين الذين هم غالبية الفلسطينيين"، وقالت: " يتطلب هذا عمليّا أن نعود لنعي أنّ الفلسطينيين داخل أراضي 48 هم المُكوّن الأساسي لنضالنا لأجل الحرية. لقد فهم الشباب داخل مخيمات اللاجئين، والأراضي المحتلة، و48، وفي الشتات، المعنى الحقيقي لعملية السلام، وكيف هَدَفَت إلى تقسيم الفلسطينيين إلى "غيتوهات" معزولة. ونحن نسعى لإعادة تعريف الصراع لتحقيق العدل لكل الفلسطينيين".

تعرف رفيف وطنا اسمه فلسطين، وتعرف حدوده، وتقول في "ظلال الغضب": "ولدت أمي تحت زيتونة على تراب يقولون إنّه لم يعد لي، ولكني سأعبر حواجزكم، وصفوفكم، وجدار الفصل العنصري اللعين، وسأعود إلى وطني".

تركتُها وأنا أقول "علّمتِ العالم الحياة"، وبعثتِها سوسنةً من الصخر...  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-3-2012

الارشيف