لماذا تمارس حماس ضبط النفس؟

 

تُمارس "حماس" قدراً كبيرا من التروي في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية على غزة، أو ما يمكن تسميته ضبط النفس، ويتبنى قادتها لغة جديدة. ولفهم ما يحصل وجدت نفسي مضطراً لتذكر مساق مبادئ العلاقات الدولية في الجامعة.

كان يمكن أن تقوم "حماس" بالرد الصاروخي، حتى ولو بقدر محدود لا يُسجّل غيابها ويُرضي أنصارها، ولكن لهجة أقطاب الحركة في اتجاه آخر. فهم يدعون لتدخل مصري ودولي لوقف العدوان، ويقللون من شأنه ومداه، وهو تقليل يقطع الطريق على من يطلب الرد بقوة. ومن هذا أنّ أسامة حمدان شكّك بحسب صحيفة فلسطين، في إمكانية "استمرار الاحتلال بتصعيده ضد قطاع غزة"، وأكد "أن (إسرائيل) غير مستعدة في ظل الأوضاع الراهنة للخوض في عملية عسكرية على غرار الحرب الأخيرة ضد قطاع غزة". وأضاف أن "هناك العديد من الرسائل التي وجهت لـ(إسرائيل) من عدة جهات عربية ودولية، فحواها أن المنطقة غير مستعدة لأي وقاحة إسرائيلية، مؤكداً أن تلك الرسائل باتت مصدر قلق لحكومة الاحتلال".

ويؤكد إسماعيل هنية "أن الأشقاء في مصر يعملون على مدار الساعة من أجل وقف العدوان" ويقول "إنه - وبعد الاتصالات - فإن موقف الفصائل إيجابي ويتحلى بالمسئولية". من الواضح أنّ المقصود هنا جهود تهدئة تقودها الحركة.

حتى تتضح التفاصيل والملابسات يمكن أن نستخدم قواعد نظرية في علم الصراع والعلاقات الدولية، وتساعد على توليد فرضيّات، لفهم ما يحصل، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع؛ أولها خارجي يتعلق بالعدو، من مثل أن يكون تقييم "حماس" أنّ إسرائيل تريد التصعيد، وأنّها هي لا تريد الانجرار، ولن تسمح لإسرائيل بتحديد زمان ومكان وأدوات المواجهة. ولا تريد أن تدخل حربا باهظة الثمن، كما حدث سابقا، لذا رأت تولى الفصائل الأخرى الرد كافياً.

ومن أسباب عدم دخول المواجهة، عادة أنّ طرفا مّا يكون في خضم الاستعداد العسكري واللوجستي لمواجهة ما، وهو غير مستعد لها بعد فلا يدخلها لئلا تجهض خططه في البناء. ومن الأسباب المحتملة، نظريّا على الأقل، وجود مشكلات داخلية تعرقل الرد.  

ثاني الأسباب المفترضة أنّ ضغوطاً أو عمليات إقناع قام بها طرف ثالث، قد تكون دول وجماعات راعية ومانحة وحليفة، قدّمت من المبررات المنطقية ما يفيد بأنّ الرد الواسع ليس مصلحة فلسطينية.

السبب الثالث، هو تعبير عن غضب من أطراف داخلية لا تلتزم بوحدة الحراك، لذا لا يوافق طرف على دخول مواجهة حذّر منها وسعى لتجنبها. فمثلا قال الكاتب مصطفى الصواف في مقال نشره موقع المركز الفلسطيني للإعلام، القريب من "حماس": المقاومة الفلسطينية مدعوة (...) للعمل على الخروج من العشوائية والفردية في الرد، إلى أسلوب جديد يعتمد على توحيد الجهود، وتبادل الأدوار، وتوزيع المهام، واستخدام تكتيكات جديدة، يمكن لها أن تُفشل مخططات العدو الذي يسعى إلى الاستفراد بقوى المقاومة كل على حدة"، ودعا إلى "عمل مشترك بين كل القوى في الرد والمواجهة". وقال "الأسلوب القديم في الرد لم يعد يفيد كثيرا، بمعنى أنه لن يؤلم كثيرا العدو، لأن ارتقاء الشهداء يجب أن يقابله سقوط قتلى في صفوف العدو".

بغض النظر عن أي من الفرضيات السابقة أصح، فإنّ فكرة ضبط النفس، والسعي للتهدئة، وطلب الوساطة لذلك، كلها أمور جديدة في تكتيكات "حماس" تعكس تبدل موقفها من معارضة إلى قيادة أو سلطة، وتعكس الشوط الذي قطعته في الأداء السياسي والدروس التي ربما تعلمتها من الماضي. وهي مواقف بدأت تتضح على الأرض في مواقف خالد مشعل في اتفاقيات المصالحة في القاهرة والدوحة، وها هي تتضح في موقف جماعي في المواجهات الراهنة. 

وإذ يصعب أن نقيّم سلبا أو إيجابا هذه المواقف دون أن تكون أركان المشهد والحسابات لدى "حماس" معروفة. فإنّ الأكيد أنّ المرحلة المقبلة تطلب إجابات على أسئلة مهمة، هي: ما هي استراتيجيات الردع والمقاومة؟ ما هي خطط العمل للنهوض بمشروع تحرير فلسطين؟ ما هي سبل تحقيق وحدة العمل الفلسطيني؟ وهذه الأسئلة ليست موجهة إلى حركة "حماس" وحدها، بل لجميع القوى الفلسطينية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 14-3-2012

الارشيف