غزة ليست عاصمة عربية

 

بإمكان إسرائيل أن تضرب في قلب عاصمة أو مدينة عربية أو إسلامية، مع توقُّع عدم تحرك الجيوش العربية للرد، ولكن أن تضرب المقاومة فعليها إعادة حساباتها. هذه هي نتيجة حصيلة المواجهة الدائرة في غزة الآن، ولقد نجحت الصواريخ الفلسطينية حتى الآن في تلقين إسرائيل درسا وإعلامها أنّها لا تمتلك تحديد قواعد اللعبة.

بنت إسرائيل حساباتها في اعتداءاتها الأخيرة في غزة، التي بدأت باغتيال زهير القيسي، على أنّ حركة "حماس" تريد التهدئة مع إسرائيل، ولا تريد المواجهة، وأنّ قادة الحركة يعتبرون "غزة" محررة، ولا يجب أن تنطلق المقاومة منها، ولكن ما وجدته إسرائيل على الأرض يخلط حساباتها. فاغتيال أمين عام الفصيل الصغير، "لجان المقاومة الشعبية"، لم يمض دون رد، ولم يكن الرد عابرا كما توقعت أو حلمت إسرائيل، فحتى أمس صباحا كان هناك 110 صواريخ انطلقت من غزة، فرضت تعطيل الدراسة والنزول إلى الملاجئ على 7 مدن يسكنها إسرائيليون.

القراءة في أسماء الفصائل التي أطلقت الصواريخ تشير أنّها بالدرجة الأولى كتائب الناصر (الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية)،  وسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، وهناك فصائل أو مجموعات أخرى أصغر أعلنت مشاركتها، ويصعب التيقن من حقيقة ذلك.

تُظهر قراءة تصريحات ومواقف حركة "فتح"، غيابا شبه كامل عن التأثير في الأحداث، في مؤشر إلى أين وصلت هذه الحركة التي كانت يوماً صاحبة القرار والعمل الفلسطيني، وإذا ما قرأنا تصريحات قادة "حماس" وجناحها العسكري، من خلال المصادر الإعلامية لحركة "حماس" فهي تتلخص بضرورة العودة للتهدئة، ويقول اسماعيل هنية، إنّ "أولوياتنا الآن حماية الشعب ووقف العدوان"، ويقول "إنه يُجري اتصالات مكثفة لوقف العدوان على قطاع غزة"   أمّا  أحمد بحر، الذي تصفه مصادر "حماس" بأنّه رئيس المجلس التشريعي بالإنابة، فطالب "الأشقاء المصريين إلى التدخل العاجل للجم عدوان ومخططات الاحتلال، مؤكدا على ضرورة تحمل مصر لمسئولياتها القومية تجاه أشقائها الفلسطينيين"، ودعا إلى "استراتيجية وطنية كفاحية موحدة في وجه الاحتلال وجرائمه البشعة". أمّا "كتائب القسّام" فلم تعلن إطلاق صواريخ، أو أي رد، بل قالت في بيان إنّها قادرة على الرد وأنّها "لن تقف مكتوفة الأيدي وأن العدو الصهيوني سيدفع ثمن جرائمه عاجلاً أم أجلاً". وأنّ "المقاومة الفلسطينية قادرة على تحديد خياراتها في هذه المرحلة وكل المراحل"، بهذا المعنى فإنّ "حماس" لم تدخل المواجهة بعد، ولكن هذا لا يلغي وقوع الرد من غزة.

أربك إطلاق الصواريخ بهذه الكثافة إسرائيل؛ ويوم أمس أشار نائب رئيس وزراء إسرائيل، موشيه يعالون، إلى وساطة مصرية للتوصل لإعادة التهدئة، وقال إننا لا نتفاوض مع "حماس" ولكننا نرسل رسالة مفادها "إذا لم تطلقوا لا نطلق". ما هو مطلوب بالطبع أن تتوسط "حماس" لدى من يطلق الصواريخ، فضلا عن عدم المشاركة في الرد، ولعل وجود محمود الزهّار في القاهرة، هو في إطار هذه الجهود.

شهد جنوب لبنان حرب الصواريخ، بين المقاومة وإسرائيل، وردّت إسرائيل بغزو بيروت 1982، وكان الرد استمرار المقاومة ونشوء حركتي الجهاد الإسلامي، وحماس، وانتقالها للداخل وانتفاضة 1987، ثم جاءت حرب 2008 والتوصل للتهدئة، واعتقدت إسرائيل أنّها وصلت معادلة حيّدت فيها فتح وحماس، والآن يمكن ضرب الفصائل الصغيرة، فتسجل بذلك انتصارات إعلامية أمام مواطنيها، معتمدة على أنّ الفصائل الكبيرة تريد الهدوء وتمنع الرد. وبالطبع لم تفهم إسرائيل من الماضي أنّ أحدا لا يمنع المقاومة عندما تريد المقاومة، وأنّ تحييد فصيل يعني نشوء فصائل جديدة، والقضاء على قائد يوجد قادة جددا، فنحن لا نتحدث عن عاصمة عربية ونظام حاكم يستطيع لجم مواطنيه، والتغاضي عن حقوقهم، بل نتحدث عن احتلال ولاجئين ومقاومين لا يوجد لديهم ما يخسرونه، وعن مقاومة حتمية طالما هناك احتلال.  

نعم ربما اختار الفلسطينيون الآن، بمختلف قواهم، التهدئة، وربما البحث عن سبل مقاومة جديدة، ولكن قوة الردع موجودة، وما على إسرائيل أن تنتظره في ظل الإصرار على عدم تعلم الدرس هو نوع جديد من المقاومة تتبلور.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 12-3-2012

الارشيف