يونس في سيرك الرميدة

 

"كنت أستعد للالتحاق بقسم الإسعاف في الجيش والذهاب للعراق، عندما حضرتُ محاضرة محامية فلسطينية، قصدتها لسبب غير واضح في ذهني الآن؛ شعرتُ بصداع، هل يعقل أنّي كنتُ عرضة للتضليل كل هذه السنين؟.  

بدأتُ أقرأ عن علاقة بلادي مع إسرائيل ومساعداتنا لها من جيوب دافعي الضرائب، بينما يقلصون تأميننا الصحي بحجة خفض النفقات. استحوذ الأمر عليّ، وبعد ثلاثة شهور من القراءة والبحث، تساءلت هل أنا الآن وبعد 21 سنة من الدعاية الإسرائيلية (عمري حينها) ضحية دعاية الفلسطينيين؟ بحثتُ على الإنترنت عمن قد يساعدني لزيارة فلسطين، واستعنت بحملة التضامن الدولية ISM.

وصلت "هناك" عام 2003، قضيتُ شهراً متطوعاً في سيارات الإسعاف الفلسطينية بقلقيلية، ما غيّر حياتي كليّا.

عدتُ إلى بلدي أميركا للدراسة، وأصبحت ناشطا أحدّث الناس بما يجري، ولم أعتقد أني سأعود إلى فلسطين، ولكن المشاهد التي عشتها في زيارتي أصبحت كابوساً، ولم أستطع العمل أو مواصلة الحياة الطبيعية، انتقلت لولاية أخرى لأكون قريبا من سيدتين أمريكيتين ناشطتين في العمل التضامني، عاشتا فترة في فلسطين، ومتزوجتان من فلسطينيين.

عدتُ لفلسطين عام 2006 إلى "تل الرميدة" في الخليل؛ كانت مهمتي ومجموعة ناشطين مساعدة الأطفال الذين يتعرضون لتحرشات واعتداءات المستوطنين والجنود. كان من مهامنا توثيق ما يحصل، ومرافقة الأطفال لمدارسهم، للحد من اعتداءات المستوطنين والجنود. ثم اكتشفنا أننا نحن النشطاء أنفسنا عرضة لتنكيل الجنود الذين تمركزوا فوق سطح البناية التي استأجرنا فيها شقتنا؛ فقد بدأنا نُصاب بتوعكات صحية لا نعرف سببها، إلى أن شاهدتُ يوما أجساما غريبة في المياه، فصعدتُ لسطح المنزل لتفحص الخزانات، لأجد أن الجنود كانوا يلقون الفضلات فيها. لقد كانوا يتعمدون إطلاق الرصاص لتخريب خزانات مياه الفلسطينيين، بينما هذه طريقتهم معنا.

في يوم كان الجو حاراً، كنت وزميلتي "ميرندا" نراقب الجنود يوقفون فلسطينيين كعادتهم، حيث يسمح نظام الجيش بإيقاف الفلسطيني دون سبب حتى ثلاث ساعات. كنا نجيد حركات السيرك، وتحديدا قذف العصي الصغيرة الكثيرة المتتابعة؛ بدأنا باللعب، وشدّ هذا انتباه الفلسطينيين المحجوزين، واستقطب أطفالا، فيما غضب الجنود وصرخوا "هذا تخريب"، تجاهلناهم حينا وجادلناهم حينا، فصمتوا، وأخذوا يشاهدون العرض.

بدأنا نجرب شيئا جديدا، صرنا نحضر ماءً باردا للفلسطينيين المنتظرين، وأحيانا طعام، فأزعج هذا الجنود، الذين يقفون بدورهم في الحر بمعدات تزن 25 كغم. بدا أنّ فكرة مضايقة الفلسطينيين بالانتظار تفقد معناها.

في مساء يوم جمعة مارسنا اللعبة ليلا بعصي مشتعلة، فاستقطب الأمر الأطفال والبالغين، وأصبحنا نكرر الفكرة أسبوعيّا، والفكرة أنّ الأطفال يخافون الخروج من منازلهم بسبب المستوطنين، ولكن عندما أصبح عددهم يفوق 100 شخص ردع هذا المستوطنين.

أصبحنا معروفين، وصرنا نتلقى دعوات لنشارك في نشاطات ترفيهية للأطفال في مناطق أخرى.

سافرت وعدت في 2007،  وتعاونت مع سيرك "شادي زمرد" في رام الله، لتدريب الأطفال ليصبحوا لاعبي سيرك، والبرنامج يساعد الأطفال على التكيف النفسي، ففي ألعاب القفز مثلا يمثلون أنّ الحاجز هو نقطة تفتيش إسرائيلية يقفزون عنها، ثم عن الجنود، ثم عن الجدار العازل. ولكن في ذلك العام اعتقلني الإسرائيليون على حاجز قلنديا، كانوا يعرفون أني في الباص الذي اعتقلوني منه، لأنهم قصدوني مباشرة، واعتقلوني وسط دهشة الركاب الفلسطينيين، الذين لم يعرفوا من أنا ولماذا اعتقلوني، ملأت زميلتي التي ترافقني الدنيا صراخاً دون فائدة، كان مشهدا غريباً، والأغرب ما حدث في الاعتقال؛ أرادوا أن أشتري تذكرة طيران ليبعدوني على حسابي فرفضت. في الزنزانة وجدتُ نفسي مع مهاجرين أفارقة يتسللون للعمل في "إسرائيل"، ويُعتقَلون فيرفضون إعلان هوايتهم أو أسماء بلدانهم، فيمكثون أعوامًا في السجن، ثم يُطلق سراحهم مع إذن إقامة وعمل!. وأبعدوني براً فيما بعد".

أخبرتُه أنني سأكتب كل هذا، فابتسم وقال بالعربية كلمته المحببة "والله؟!". قلت "والله". قال سأرسل لك روابط على الإنترنت عن السيرك. سألتّه: ماذا أكتب اسمك، ضحك وترد قليلا، وقال "يونس", قلت: ولكنك أميركي أباً عن جد؟ فقال نعم، وأغلب عائلتي عملت في الجيش الأميركي.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 9-3-2012

الارشيف