"فوكوياميّات"

 

حتى وجهه فيه قدر كبير من الطفولية المحببة.  

إذا ما قرأت كتاباته، كل على حدة، سواء اختلفت معه أو اتفقت، فستجد في كل منها نظريّات غنية وعميقة قائمة بذاتها. أمّا تتبّعه شخصيّا ومقارنة كتاباته ببعضها فتشعرك بطرافة لا تقلل من قيمته كباحث؛ ستجد شخصا قلقاً ومرحاً، دائم التفكير، ربما يحدث نفسه أكثر مما يحدث الآخرين، وستضبطه يراجع نفسه وينتقدها دون أن يعترف بذلك في كثير من الأحيان.

بدأت شهرة فرانسيس فوكوياما العالمية بسب كتابه "نهاية التاريخ" عام 1992، حيث تنبأ باستقرار العالم على تبني اللبرالية الديمقراطية كوسيلة لتنظيم حياته. ولكن بدايته الحقيقية ستثير حسرة كثير من الباحثين العرب؛ بدأ فوكوياما صاحب الأصل والاسم والوجه الياباني، عندما عمل في مركز "راند" الأميركي القريب من المؤسسة العسكرية الأميركية، عام 1979، وهو ابن 27 عاما، بعد حصوله على الدكتوراه من "هارفارد"، ولم يُقَل له أنتَ وافد أو "لست ابن بلد"!.

كُلّف فوكوياما حينها بملف الغزو السوفياتي لأفغانستان، وبعد بعض البحث استاء من الجهل الرسمي الأميركي بمنطقة جنوب آسيا، فرفع سماعة الهاتف واتصل بالمعنيين، وكما يروي في مقابلة صحافية: "ما أذكره بعد ذلك أنّي وجدتهم يرسلونني لزيارة المنطقة الحدودية الباكستانية الأفغانية، بالتنسيق مع الاستخبارات الباكستانية"، جلسَ مع الأهالي هناك القرفصاء، وأكل المانجا بصحبتهم، وعاد يوصي بالاعتماد على المجاهدين، وانتقل للعمل في البيت الأبيض.

حقق فوكوياما ذروة مجده في بدايات الأربعينيات من عمره وهو يقدّم "نهاية التاريخ"، ليصبح أحد منظري "اللحظة الأميركية" أي "المحافظين الجدد" الذين يدرسون سبل إدامة قيادة أميركا للعالم، ويدخل مؤسساتهم ويدافع عن غزو العراق ويدعو له، قبل أن يتراجع بعد الكارثة هناك، ويكتب كتابين على الأقل، يدحض فيهما نظرية نشر الديمقراطية بالقوة، ويرفض فكرة الهندسة الاجتماعية؛ أي إمكانية فرض التحول الاجتماعي بقرار وبالضغط. ويبدو أنّ خبرته مع المجاهدين الأفغان جعلته يتحفظ على "ألتراس" (غُلاة) المحافظين الجدد مثل تشارز كروثامر الذي تخصص في التحذير من الإرهاب الإسلامي.

في كتابية "بناء الدولة (2004)، وأميركا على تقاطع الطرق (2006)، كان فوكوياما كمن يقول انتظروا قبل أن تتحدثوا عن ديمقراطية، لا بد من بناء الدولة ومؤسساتها قبل الانتخابات، وقال للمحافظين الجدد: أنتم تحسنون هدم الأنظمة ولم تتعلموا بناءها، فصار يبدو غريبا بين المحافظين الجدد، ورسم له الصحافيون صورة من يجلس غريبا واجما في حفلات أصدقائه من هؤلاء، ولا يجد ما يتحدث به مع صديق قديم منهم مثل بوول ولفويتز. ولم ينتقد سياساتهم في العراق وحسب، بل ونعتهم ومنظري السياسية الأميركيين الحاليين بأنّهم "هواة". وبعد أن حقق ثروة ومجدا من "نهاية التاريخ" ترك فوكوياما الحياة في واشنطن إلى كاليفورنيا، في بيت فخم، وشمس مشرقة، ليكتب ويبتعد عن السياسيين.

توحي قراءة فهرس كتابه "أصول النظام السياسي"، الصادر العام الماضي (لم أقرأه بعد) أنّه كمن يعود إلى بداية التاريخ ولآلاف السنوات، ليكتشف كيف تدار الحكومات.

كتب فوكوياما في العدد الأخير من "فورين أفيرز" مقالا عنوانه: "مستقبل التاريخ: هل تنجو اللبرالية الديمقراطية من تراجع الطبقة الوسطى؟. فقد قفز إذن من نهاية التاريخ إلى بدايته والآن مستقبله، ويبدو في المقال مُصرًا على أن اللبرالية انتصرت، إذ رغم كل الأزمات المالية العالمية لا يوجد إيديولوجية تقود حركة سياسية منافسة. بل إنّ الحركة التي تعززت بعد الأزمة هي لغُلاة اللبراليين ومثّلهم "حزب الشاي (TPM)" الأميركي، الذي يُصر على تحرير كامل للأسواق ويكره الحكومات والقوانين، أما اليسار فيستعيد مقولات قديمة لا تصنع حراكا شعبيا، ويتحسّر فوكوياما لعدم وجود منافسة إيديولوجية حقيقة، إذ لو وُجدت لكان هذا محفزاً أفضل للتفكير.

تحتاج نظرية فوكوياما الجديدة عن مستقبل الإيديولوجيا إلى وقفة منفصلة ولكنه يفرّق هنا بين ما حدث في الغرب وباقي مناطق العالم خصوصا الصين والعالم الإسلامي. كما أنّه يرى أنّ تزايد استخدام الأثرياء للنظام القائم والنخب الفكرية لحماية مصالحهم يثير تساؤلا حول التناقضات الاجتماعية، وتفشي عدم المساواة بين الطبقات، ليتساءل إن كانت اللبرالية ستستمر خيارا في المستقبل.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 8-3-2012  

الارشيف