"بكالوريوس إسرائيل"

 

من الطبيعي قيام الفلسطينيين بتأسيس مركز دراسات فلسطيني، وأن يؤسس الصهاينة "مركز إسرائيل"، وأن يُؤسس كل طرف مركزا لدراسة الآخر، وأن يكون هناك مراكز دراسات عربية حول العالم، لأنّ العرب أمةً وحضارةً وجغرافيا وديموغرافيا يشكلون مكوّنا هاماً وكبيرا. ولكن الجديد في الغرب افتتاح مراكز دراسات إسرائيلية تمنح درجات علمية جامعيّة؛ فقد أحصيتُ 16 مركزا عالميا تأسست في السنوات الأخيرة، 12 منها في الولايات المتحدة الأميركية.

إلى ذلك احتُفل قبل أيام في "كلية الدراسات الشرقية والإفريقية" (سواس) في جامعة لندن، بانطلاق مركز للدراسات الفلسطينية. وأشار متحدثون في حفل الإطلاق إلى إنشاء ثلاثة مراكز للدراسات الفلسطينية في الغرب حديثاً؛ في جامعة كولومبيا الأميركية، واكستر البريطانية، والآن (سواس).

ربما تكون فلسطين بالنظر إلى مساحتها الجغرافية أصغر منطقة في العالم، تتخصص بدراستها وتهتم بها مراكز دراسات متخصصة. وليست دراسة الصراع القائم حول فلسطين هي سبب نشوء غالبية هذه المراكز، بل إنّ إنشاءها جزء من الصراع ذاته، وإلا فما معنى أن يكون في جامعة كولومبيا، مركزا دراسات فلسطيني وإسرائيلي!

تعزز القراءة في منشورات المراكز الإسرائيلية هذا الاستنتاج؛ فإذا أخذنا "معهد جوزيف وألما جيلدنهوران لدراسات إسرائيل"، في جامعة ميرلاند، مثالاً، فقد حاول صهاينة تأسيس مركزهم قبل سنوات ورفضت الجامعة الطلب بسبب حساسية التوقيت السياسية، ولكن قبل عامين عندما أقر اتحاد طلبة الجامعة قرارا بمقاطعة شركات تتعامل مع الجيش الإسرائيلي (تم إفشاله لاحقا)، جُدّد الطلب، ويقول مؤسسوه وممولوه "إنّ تراجع صورة إسرائيل في الجامعات مشكلة حقيقية، بما في ذلك أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي"، الذي يُقام في عشرات الجامعات العالمية سنويّاً.  

كما تتابع مؤسسة تدعى "تشارلز ولِن شوسترمان" منذ سنوات تأسيس وتمويل مراكز دراسات إسرائيلية في الجامعات الأميركية.  

فلسطين عنوان جامع لظواهر إنسانية، وتقدّم بأهميتها للديانات التي يدين بها قرابة نصف سكان العالم (حوالي 33% مسيحيون و22% مسلمون)، واليهود (حوالي 0.02%(، وبتاريخها القديم الكثير مما يمكن أن يُدرَس. ويُتيح اسم "فلسطين" دراسة كل الموضوعات والعصور. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فوجئت بعدد الدراسات عن طائر الفينيق الأسطوري بالإنجليزية، كما درس باحثون الكوفية الفلسطينية، وتستحق نجمة كنعان مثلا الموجودة في الثوب الفلسطيني، فيما يعتقد أنّه تطريز عمره 4500 سنة أن تُدرس، خاصة بوجود مؤشرات أنّها وجدت في كهوف أريحا حينها، وموجودة في الأزياء الصينية وغيرها!. وكذلك بدأت الظاهرة الدينية إلى حد كبير في فلسطين، وبرز فيها مزج الدين بالسياسة من خلال العقيدة اليهودية.

أمّا القارئ في فكرة الدراسات الإسرائيلية فيتأكد أنّ المقصود الترويج "لإسرائيل يهودية" حصراً؛ ففي مثل هذه المراكز سيسمع العالم عن نجمة داوود وستختفي نجمة كنعان. فقد جاء في الإعلان عن مركز دراسات إسرائيل، في "الجامعة الأميركية" بواشنطن، أنّ من أهدافه "تقديم الإسهام الإبداعي والفكري لإسرائيل الحديثة في الفن، والعلوم، والعلوم الاجتماعية والإنسانية"، وأنّ المركز بموقعه في واشنطن "مؤهل بلا منافس ليكون مركزا وطنيا ودوليا لدراسة وتفسير هذه الإنجازات".

أحد المشاركين في تأسيس مركز "سواس"، آلان بابيه، هو أحد أهم الباحثين اليهود، والذي درس وأثبت وقائع التطهير العرقي الصهيوني لفلسطين، فطورد في "إسرائيل"، وتركها ليعيش في بريطانيا. نقلت الصحافة قوله في افتتاح "سواس" أنّه أنشأ في جامعة "اكستر" (البريطانية) المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية، وأنّه استخدم الاسم أملا في الحصول على الدعم المادي من المجموعة الأوروبية ولكنّه لم يحصل على الكثير. وقال مازحا إنه يفكر في استخدام اسم مركز أمريكا اللاتينية أو المركز الصيني للدراسات الفلسطينية، بعدما خذلته المجموعة الأوروبية.

ليست "فلسطين" مجرد بقعة جغرافية، بل موضوع وبذور للتاريخ الإنساني، بما صدّرته من أديان وأفكار، وهذا يبرر وجود مراكز دراسات متعددة حولها، وما يحدث حاليّا ليس صراعًا بين اسمي فلسطين وإسرائيل، بل بين فكرتين؛ الإنسانية الجامعة والإقصائية المانعة. لذا فإن هناك مراكز تدّرسها بموضوعية علمية وبحضاراتها الإنسانيّة، وأخرى جزء من الصراع، وهناك الآن المراكز الإسرائيلية الممولة جيداً، مقابل تعثر المراكز الفلسطينية.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-3-2012

 

الارشيف