الذين يناقشون القرضاوي بشأن القدس

 

يوسف القرضاوي عالم دين معروف، له أهميته وفقهه، ولديه جمهور كبير من المحبين والمعجبين، ويستفيد من إمكانات تضعها في تصرفه حكومات وشعوب، من قنوات تلفزيونية، وموارد للنشر، والإعلام. لستُ بالتأكيد بوارد تعريف القرضاوي فالمعروف لا يُعرَّف، ولكن لا بد من التذكير بمكانته، قبل مناقشة فتواه بعدم جواز زيارة القدس بتأشيرة صهيونية، مع استثنائه الفلسطينيين. وهي فتوى ردت عليها القيادة الفلسطينية بدءا من الرئيس الفلسطيني، إلى أجهزة إعلامية، مرورا بوزراء في السلطة الفلسطينية بالرفض والاستغراب والدعوة للمناظرات.

وعمليّا يمكن أن يتشعب نقاش زيارة القدس إلى نقاط كثيرة جداً. ويمكن رصد مبررات للزيارة وضدها. فمن زاروا القدس عادوا أكثر ارتباطا بفلسطين وكراهية للاحتلال وهناك حالات عديدة شاهدة على ذلك، ومن أهل القدس، بما في ذلك حراسٌ للمسجد الأقصى، من يتمنون أن تزيد الزيارات للقدس، لأسباب منها زيادة الوجود العربي والمسلم في المدينة، ليس لأسباب اقتصادية أو دينية، بل لأنّ إسرائيل تفعل كل شيء لتقليص هذا الوجود، وسبق وكتبت عن زوار أوروبيين وغربيين يزورون فلسطين والقدس ضمن برامج يقررون سلفا عدم التعامل فيها مع الإسرائيليين، وعدم شراء أي بضائع منهم، وحصر علاقتهم مع الجانب العربي. في المقابل نعرف أنّ الزيارة إن لم تكن بتصريح تؤمنه السلطة الفلسطينية، ستكون بمراجعة السفارة الإسرائيلية، وسيتعرض من يحاول الزيارة لعمليات من مكاتب السياحة والسفارة تدخل في إطار التحقيق، والمساءلة، والتطبيع، وربما الابتزاز.  

مع كل هذا يبدو النقاش أقرب للجدل العبثي رغم أنّ من يشترك فيه كبار العلماء والسياسيين. يمكن توجيه كلمة للقرضاوي: لماذا هذه الفتوى بالذات؟ هل يمكن توجيه فتوى للحكام العرب والمسلمين، من المنبر ذاته، خصوصا من تربطك بهم علاقة رعاية ومواطنة، وبأنّ الجهاد فرض عين وبوجوب طرد القوات الأميركية؟ ومنع لقاء المسؤولين الإسرائيليين في العواصم العربية، وعلى شاشة قناة الجزيرة باعتبار ذلك من التطبيع؟ لماذا يمكن مهاجمة محمود عبّاس دون غيره من القادة العرب؟! مع العلم أنّ محمود عبّاس كان في قطر في وضع مادي وإداري بارز جداً، قبل أن تكون أنت هناك، وكان يمكن أن يكون رجل أعمال ومسؤولا ناجحا، ولكنه انتقل من منفى إلى آخر حتى عاد إلى مقربة من مسقط رأسه "صفد".

أمّا سؤالي للرئيس عبّاس ووزرائه؛ فهل يمكن للفلسطينيين زيارة القدس حقا، ومن ثم العرب؟! إذا كنا نعلم أنّ انتقال أحدكم من مكان إلى آخر داخل أراضي السلطة يحتاج موافقة صهيونية، فلماذا ندخل في جدل زيارة القدس، وفي معركة إعلامية نسجّل فيها النقّاط ضد بعضنا (بصفتنا عربا ومسلمين)، بينما يراقب الطرف الإسرائيلي ضاحكا؟!

إذا كان في زيارة القدس مصلحة عربية وإسلامية وفلسطينية، وكانت ممكنة، فهل يمكن لناشطي حركة "فتح" على مستوى العالم أن يبدؤوا برامج زيارات ذات طابع تعبوي داعم للوجود المسيحي والمسلم والعربي في المدينة، على قاعدة مقاطعة إسرائيل والاحتجاج هناك؟!

إذا كنا نرى حجاج إيرانيون يحتجون في السعودية ويتظاهرون، فهل يمكن رؤية حجاجٍ مسيحيين من أمريكا اللاتينية والغرب وإفريقيا يحتجون في القدس؟! هل لدينا برنامج تعبئة على هذا النحو؟!

رأيتُ أكثر من مرة حجاجا مسلمين من جنوب إفريقيا ودول آسيوية غير عربية، يأتون للقدس شدا للرحال بعد أن زاروا مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبحديث سريع معهم وجدتهم لا يعرفون الواقع السياسي للقدس، أو فتاوى زيارة القدس.

إذا كانت زيارة القدس مهمة للصمود، برأي السلطة و"فتح" فأين هي الجهود الرسمية والتنظيمية للضغط على إسرائيل للسماح بها، وأين تعبئة الرأي العام المسيحي والمسلم والعربي على قاعدة حق التواجد في القدس؟!

كثيرٌ من الجدل الذي نعيشه لا معنى له لو توافرت برامج عملية بشأنه، ولأصبح ما يوصف الآن بالتطبيع نوعا من النضال إن وضع في سياقه الصحيح!.

هل يمكن توجيه وفد شعبي من حراس الأقصى وأهل القدس مثلا، لنقاش الشارع العربي والإسلامي؟! وهل يمكن أن نجد "فتح"، وتنظيماتها في كل الساحات، وأصدقاؤها، ينظمون زيارات احتجاجية وتضامنية لوفود عالمية للقدس؟!

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-3-2012

الارشيف