أحفاد مدللة

 

بعد مُشاهدتها الشباب يزحفون في ذكرى النكبة، العام الفائت من لبنان وسوريا والأردن، صوبَ فلسطين، وبعد أن هالتها رسائل واتصالات بعضهم يغبطونها لوجودها في حيفا، زادت حيرتها، واستبدّ ألمها، فتوجَّهَت إلى موقع يقابل حاجز السلك المعدني على الحدود، تتأمل البعيد.

أزال هذا المشهد، لكاتبة عربية فلسطينية حيرة كانت تتملكني.

تظاهرت النائب في الكنيسيت، حنين زعبي، في الخليل، الأسبوع الفائت، وتابعت القيادات الفلسطينية من أعضاء الكنيسيت، جمال زحالقة، وأحمد الطيبي، وعفو اغبارية، ومحمد بركة، قضية الأسير خضر عدنان، فكانوا يزورونه في المعتقل، ويردون على الصهاينة الذين يهاجمونه، يستعين بهم محاميه "لهندسة" الانتصار، وطلب إليهم خضر زفّ النبأ لأهله في عرّابة.

كنتُ أتساءل في الماضي لماذا يقوم فلسطينيو 1948 بتكريس وقتهم للتعاطف مع الضفة الغربية، وقطاع غزة، أليسوا في مواجهة تستحق كل دعم، أليسوا هم داخل الداخل؟!

طلبتُ قبل نحو عام وزملاء لي من محمد بركة كتابة مقدّمة لكتاب عنوانه "نجمة كنعان" نشرته جمعية البيارة مع دار فضاءات؛ يتحدّث فصله الأول عن قصص حقيقية من الجوع عاشها الفلسطينيون، إحداها من مذكرات فيصل حوراني في دمشق، مطلع الخمسينيات، يصف فيها كيف كانوا يقلّلون طعامهم، دون اتفاق مسبق، إذا مرض أحد أفراد الأسرة ليوفروا الطعام من أجله. وكيف كانوا يتركون الطعام للضيف إذا زارهم، ويجلسون في الغرفة المجاورة رافعين أصواتهم بما يوحي أنّهم يأكلون الطعام ذاته، ويتدافعون لغسل أياديهم على مرأى منه بعد "المأدبة" مع أن طعامهم ربما يكون خبزا جافا فقط، وكانت "مدللة" جدة فيصل، تدير أزمة الطعام؛ فتُقسّمه عليهم قبل كل وجبة، فيعرفوا ضمنا ألا يطلبوا المزيد. هذه الجدة ما أن توافرت نقود من عمل حفيدين لها، حتى أصرت على الحصول على ثوب فلسطيني جديد، يتم إحضاره من الضفة الغربية.  

تأخر محمد بركة في إرسال المقدمة بحكم مشاغله، فبدأنا نفكر ببدء الطباعة، وعندما وصلتنا مقدمته أدركنا كم كنا سنخسر إن فاتتنا، وكان مما كتب: "جدتي مدللة ابنة "صفورية" كانت تتفنن في التحايل على القلة وشظف العيش.. كما هي مدللة جدة فيصل حوراني ابن "المسمية" ومن قلة عقلنا كنا نندهش لإحساسنا بأننا نجلس حول أفخم الموائد.. رغم أن لا مائدة أصلاً".

ويواصل "تداخلت، مع الوقت، الواقعة مع الخرافة في ذاكرتنا حتى تيقنّا لاحقاً أنّ البهجة كانت بهجة المكان عند جدتي مدللة، في الوقت الذي كانت غصّة الحوراني عند جدته مدللة، هي بؤس المنفى. وأنا أعرف بؤس المنفى الذي لم أعشه، ولكني أعرفه على جلد أهلي المشتتين وأعرفه لأنه نقيض عزة الوطن وجماله".

هكذا يقول بركة، حفيد مدللة الصفورية، فطيب طعام جدته كان بسبب طيب المكان، وبؤسه لدى حفيد مدللة المسمية، كان لبؤس المنفى. ورأت كاتبتنا في منفى اللاجئين ما يستحق ممارسة طقوس الحزن لأجله. فهم يدركون إذن أنهم الأقوى لأنهم هناك، وهم من يمدّون يد العون والتعاطف لمن ليس "هناك"!

لا أعرف من الذين تخيلتهم الكاتبة، ولكني تخيلتُ في الجهة الأخرى، رجلا يُدعى  صلاح حمد، قرأت على مدونته قوله: "في مدرسةِ البلدةِ قَضَيتُ ثلاثةَ أَعوام حتَّى الصَّفّ الثَّالثِ الابتدائيّ قبلَ أَن تسقط الصَّفصاف في 28/10/1948، في أَيدي العِصاباتِ الصّهيونيَّة"". ويكمل "وغادرْنا "الصَّفصاف" لآخر مرَّة". ويوصينا وهو يكتب بعد نحو 60 عاما من خروجه إلى لبنان، بل يَأمُرنا، وكأنه يرشد الذين يستعدون بعد أيام لمسيرة القدس، حيث تجلس تلك السيدة الشابة تنتظر، بقوله: "تمتَّعوا بالمشهد الرَّائع حين تصِلون إِلى قمَّة (جبل) "الجرمق" لِتَروا بعضاً من فلسطين ولبنان وسوريا والأُردن: لِتُلقوا التَّحيَّة على رميش وكفربرعم وسعسع ومارون الرَّاس وبنت جبيل ويارون،  وتسلِّموا على جبل الشَّيخ وتلوِّحوا لجبال الجولان...". ارفعوا رؤوسكم عالية هذه المرَّة، يكفيكم ذلَّة وإذلالاً :أَمامكم الجش، والرَّاس الأَحمر، وطيطبا، وعلما، وصلحا، وديشوم، والمالكيّة وهونين، وكل اللآلئ المَنثورة في الجليل الأَعلى في فلسطين. انتبهوا جيِّداً."

 كان يتمتم: "لا شيءَ تغيَّر عندي. كنتُ طفلاً في فلسطين، والجرمق فوق رأسي، عالياً عالياً عالياً.. لا زال الجرمق مكانه". 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 2-3-2012

الارشيف