مستعمرات بروكسيل... المعارضة ممنوعة

 

لاحظت "الإيكونوميست" في عددها الأخير أنّ ردود الفعل الشعبية في أوروبا على الأزمات و"الإصلاحات" المالية باتت تواجه بدرجة من اللامبالاة من قبل الرسميين. ففي اليونان مثلا هناك سخط على المستوى الشعبي، وبينما يصوّت السياسيون على خطط التقشف في البرلمان، يتظاهر الناس في الخارج، ويحرقون نحو 50 بناية، منها بنايات تاريخية، ويدمرون دور سينما، ويسلبون متاجر فخمة، ولكن لا يبدو أن هذا يدخل في حسابات السياسيين الأوروبيين، كما تشير المجلة.

يثير ما يحدث في أوروبا تساؤلات حول معنى الديمقراطية!. وحول هياكل النظام المالي هناك.  

واظبنا في العالم الثالث على الشكوى من وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين في الماضي، ولطالما انفجرت ثورات بسببها، وقد اعتقدنا أنّ هناك تلازما بين الدكتاتورية وحكومات غير منتخبة تطبق إملاءات إمبريالية. وكانت وصفات هذه المؤسسات مادة غنية للمعارضة السياسية، عندما سُمِحَ بوجود معارضة، ولكن ما يحدث في أوروبا يبدو أشد وقعاً.   

ففي اليونان لا تمانع الحكومة الحالية تمرير الشروط الجديدة للدول الأوروبية مقابل المساعدات، ولكن بما أنّ اليونان مقبلة على انتخابات برلمانية في نيسان (إبريل) المقبل، فيريد الأوربيون من السياسيين اليونانيين، في الحكم والمعارضة على السواء التوقيع على الاتفاقيات الجديدة، أي أنّ المعارضة ممنوعة!.  

عندما بدأ مشروع تقديم المساعدات الأوروبية إلى إيرلندا واليونان، نهاية العام 2009، كتب جدعون راكمان في مدونته على موقع "فايننشال تايمز"، إنّه سأل قبل سنوات مسؤولًا ألمانيّاً في الاتحاد الأوروبي، في بروكسل، ماذا لو احتاجت دولة أوروبية للمال بشكل كبير بسبب أزمة؟ وكانت البرتغال مرشحة لذلك حينها، وسأله: ماذا لو احتاجت البرتغال ذلك؟ فرد المسؤول أنّه سيكون على باقي الاتحاد إقراضها، وأضاف مازحاً: "ستصبح البرتغال مستعمرة لبروكسل".

ما حدث في اليونان حلقة ضمن مسلسل، فيه شروط تفرض من الخارج. ففي إيطاليا مثلا توجد حكومة غير منتخبة، إذ عيّن المفوض الأوروبي السابق، ماريو ماونتي، رئيس وزراء لإيطاليا، تشرين ثان (نوفمبر) الفائت، وبما أنّه لم يكن عضوا في البرلمان، فقد عيّن في مجلس الشيوخ قبل أيام من تسلم منصبه، وكان تعيينه جزءا من وصفة الدول الدائنة الأوروبية، وماونتي جزء من النظام العالمي المالي القديم الفاشل، فهو مستشار لبنك غولدمن ساكس، وكوكا كولا، والأولى في صلب الأزمة المالية العالمية، وحكومته من غير المنتخبين، و7 من أعضائها أساتذة جامعة.   

تتمحور وصفات التقشف المفروضة على الدول الدائنة، حول خفض الحد الأدنى للأجور، والخدمات الاجتماعية، وهي وصفات مطبقة الآن بشدة في بولندا، واسبانيا، وإيطاليا، واليونان، والهدف هو جلب مستثمرين في المدى المتوسط والطويل، تغريهم العمالة الرخيصة، ليؤدي هذا في النهاية إلى تحسن الاقتصاد والأجور، والحقيقة أنّ هذه الوصفات تعني أيضا الاستغناء عن موظفين في المدى القصير وتقليل الدعم للفقراء، أي أننا أمام زيادة عاجلة في الأزمة الاجتماعية على أمل حلها مستقبلا!!

أضرب المعلمون في بريطانيا قبل أسابيع للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وعمليا كان يُنظر لبريطانيا على أنها من الأقل تضررا بالأزمة العالمية، وفي لقاء على "بي بي سي" قالت معلمة إنّها لم تكن ناشطة سياسية يوماً، وأضافت ولكني "أعيش يوماً بيوم"، وأضافت "أنا أعني هذا حرفيا"، كل يوم أتدبره على حدة. وكشف استطلاع لمنظمة "نت ممز" (شبكة الامهات) في بريطانيا، نشر الشهر الماضي، أنّ واحدة من كل خمس أمهات في بريطانيا تقلّص من وجبات طعامها لتوفّر الغذاء لأبنائها. بموازاة ذلك لا يمضي أسبوع في بريطانيا دون فضيحة جديدة، فمن تجنب توني بلير دفع الضرائب، إلى مدراء شركات وبنوك خاسرة أنقذتها الحكومة بنجدة من أموال دافعي الضرائب، والاستغناء عن موظفين وخفض الأجور، ثم يتضح أنّه تقرر دفع مكافآت تصل إلى مليون جنيه استرليني لمدراءها! وآخر الفضائح أنّ بنك باركليز الشهير متهم بالتهرب من دفع ضرائب تصل إلى نصف بليون جنيها، وقد يكون التهرب بالطبع قانونيا، وباستغلال ثغرات وألاعيب بهلوانية في الحسابات.

تهدم هذه الفضائح مجمل العملية الديمقراطية، وتهدد مجمل النظام الاقتصادي الرأسمالي، وتطرح أسئلة هيكلية كثيرة على العالم.    

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 1-3-2012

الارشيف