"هل يدرس في صفك مجرم؟"!

 

تسرّب الشهر الماضي تقرير تداوله أعضاء الاتحاد الأوروبي، يقترح تبادل المعلومات بخصوص المستوطنين العنيفين في القدس الشرقية تمهيدا لمنعهم من دخول دول الاتحاد.

إذا ما نفّذ الاقتراح فإنه يعني بجانب الدعوة الشعبيّة لمقاطعة إسرائيل ومنتجاتها، وسلع المستوطنات، مقاطعة المستوطنين أنفسهم.

إلى ذلك اختُتم في جامعات العاصمة البريطانية، لندن، الجمعة الفائت أسبوع مناهضة الأبارتهايد (الفصل) الإسرائيلي، وهذه فعالية سنويّة تُنظّم للسنة الثامنة في دول كثيرة، في مواعيد مختلفة، وقد نُظِّم السنة الماضية بمشاركة 97 مدينة حول العالم. وضمن الحملة عُرضَ في جامعة لندن للاقتصاد LSE فيلم تضمن مقابلات مع مستوطنين صهاينة، قالوا إنّ سبب مجيئهم للضفة الغربية أنّ الشقة تباع بفضل الدعم الحكومي بنصف سعرها في تل أبيب، ولا تبعد عنها سوى دقائق، بفضل شبكة طرق سريعة خاصة باليهود.

في "سيتي كوليج"، تحدّث إنجليزي، وجنوب إفريقي، وإسرائيلي، في جلسة أدارتها الشاعرة الفلسطينية رفيف زيادة، وعرّف هؤلاء الأبارتهايد بأنّه الفصل، وبالتالي فكرة المستوطنات والطرق الخاصة بها وجدار الفصل هي ترجمة دقيقة للأبارتهايد، الذي حاربه العالم في جنوب إفريقيا، بل ويعتقد البعض أنّ فكرة الدولتين في فلسطين، هي أبارتهايد، لأنها تقوم على حصر الفلسطينيين في جزء محدود من بلادهم!.

سألتُ أثناء النقاش بعد الفيلم والمحاضرة، ماذا عن فكرة مقاطعة المستوطنين وليس بضائع إسرائيل وأكاديمييها فقط، أي مقاطعة البشر، وملاحقتهم كمجرمين عند دخولهم أوروبا؟ ردّ المحاضر الإسرائيلي: ولماذا تميّز بين مستوطن وآخر، وأضاف، وهو أستاذ في جامعة بن غوريون، "حتى أبي وأمي المقيمان في تل أبيب مستوطنان!". هو يرفض فكرة الدولة اليهودية، وفكرة الدولتين، ويدعو لدولة واحدة لمواطنيها، ولمقاطعة من يقبل تمثيل دولة إسرائيل أو مؤسساتها، ويدعو الجامعات البريطانية مثلا، لمنع أي شخص خدم في الجيش الإسرائيلي في وقام بأعمال عدوانية من الدراسة فيها، ودعا لشعار للحملة يوجه للطلبة هو "هل ترضى أن يدرس في صفك مجرم؟"!.

يتعزز مثل هذا الاتجاه بين الناشطين الدوليين، وخصوصا الفلسطينيين منهم، الرافضون لفكرة الدولتين، ويدعون للنضال حتى عودة آخر لاجئ. ولكن بالمقابل ومن ناحية عملية وقانونية، يَسهُل ملاحقة المستوطنين والجيش أكثر مما يمكن ملاحقة كل إسرائيلي، لأنّ القانون الدولي والعالم لا يَعتَرِف باحتلال الضفة، ولا يعني هذا ترك بقية الجبهات وأدوات النضال.  

شَهِدَت الخليل الأسبوع الفائت أيضا الحملة العالمية الثالثة لفتح شارع الشهداء؛ وهذا الشارع أفضل أمثلة "الأبارتهايد"، فهناك نحو خمسمائة مستوطن بين نحو 165 ألف فلسطيني، ولكن هناك آلاف الجنود يحرسون المستوطنين. وفي أعقاب مجزرة الحرم الإبراهيمي الصهيونية قبل 18 عاما، تثبت محاضر جلسات الحكومة الإسرائيلية أن اسحق رابين كان يريد إجلاء المستوطنين من المدينة، ولكنه خاف ردة الفعل الإسرائيلية وقرر معاقبة الضحايا مرة أخرى، بإقفال الشارع أمام عشرات آلاف الفلسطينيين، وإقفال 1500 محل تجاري عربي. بل ومنع الفلسطينيين من فتح أبواب بيوتهم في كثير من الحالات، ليضطروا لاستخدام أبواب خلفية أو من خلال بيوت جيرانهم أحيانا، فتحولت بيوتهم إلى سجون، وليتعرض أطفالهم لتحرشات المستوطنين والجنود في كل يوم تقريباً.

اكتسبت الحملة هذا العام زخما كبيرا مبشرا، فلقد استطاع المنظمون (شباب ضد الاستيطان) أن يكرّسوا أنفسهم عنوانا نضاليا، تضامن معه ناشطون حول العالم، ومن داخل "فلسطين 48"، تحدّوا الإغلاق وتصادموا مع الجنود.

لا يختزل "شباب ضد الاستيطان" قضيتهم في شارع، ويؤكدون أنّ "فلسطين من البحر إلى النهر"، ولكن قضية الشارع حاسمة لصمود أهل الخليل، وهي معركة ضمن الحرب الكبرى. تستحق فكرة تجريم المستوطنين دوليا المتابعة؛ حيث يمكن مثلا رصد أسماء وجرائم المستوطنين الذين يهاجمون الفلسطينيين في الخليل، ومحاولة جلبهم أمام القضاء الدولي. إذا ما تم تجريم الاستيطان فإنّ المستوطن القادم لأسباب مالية سيتراجع، والذي يرتكب جرائمه بدوافع إيديولوجية ودينية، سيعلم أنّه معرّض للملاحقة، وأن الجندي الذي يرافقه ملاحق مثله، هذا فضلا عن مواجهته على الأرض كل يوم حتى يرحل.

تضغط إسرائيل الآن على أوروبا لمنع ناشطي التضامن الدوليين من السفر إليها، فهل يحدث ضغط باتجاه معاكس؟!      

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 29-2-2012   

الارشيف