أليس جميلا؟

 

كثيرا ما يَشُدني عازفون ومُغنون يقفون على أطراف شوارع المدن وميادينها، يؤدون مقطوعاتهم وأغنياتهم، يَنشُدون بعض النقود، أو يلتمسون نظر الجمهور إليهم. لا يُقدّم بعضهم سويَة فنية تجتذبك، فلا تتوقف عندهم طويلاً، ولكن الجيد منهم يصنع يومك أحياناً ويمنحه نغماً جميلا، فتُقدّم "قروشاً" وتمضي. وحتى في مدن عربية تدفَع لهؤلاء ليأتوا إلى مجمعاتها التجارية الفارهة، فإنّهم لا يزالون يشدونني.

قرأتُ قبل سنوات قصة في صحيفة بريطانية جعلتني أشعر بمسؤولية إزاء هؤلاء الفنانين؛ واهتديت إليها ثانية قبل أيام بفضل "الفيسبوك"، وربما جرى استنساخ القصة (التجرية) في الولايات المتحدة، فهي تختلف عمّا قرأته سابقا، ولكنّ الفكرة ذاتها.

أجرت صحيفة "واشنطن بوست" تجربة ملخصها أنّ عازفا عالميا مشهورا، وبعد إحيائه حفلات في أهم مسارح واشنطن، بيعت كامل تذاكرها بقيمة 100 دولار للتذكرة، اصطحب "الكمان" التاريخي الخاص به، وعمره نحو 300 عام، وقيمته نحو 3.5 مليون دولارا، ووقف في محطة القطار يعزف مقطوعات للموسيقار باخ. ولدقائق لم يلتفت إليه أحد، وبعد ستة دقائق فقط توقف شخص وأصغى إليه السمع، وبعد 45 دقيقة كان 1079 شخصاً قد مروا به، توقف منهم سبعة، واستمعوا قليلا، ودفع 27 شخصاً، أغلبهم دون أن يتوقف، ما مجموعه 32 ولاراً.

بغض النظر عن التفسيرات العلمية والاجتماعية، فإنّ أحد المعاني المحتملة هي صعوبة امتلاك القدرة على استكشاف أو تذوق الجمال في بعض الأحيان والظروف، وإمكانية اكتشاف الجمال والقيمة الثرية حيث لا نتوقع أحياناً.

علّق صديق على القصة، بالقول إنّه أخبرها لابنه قبل أيّام، وكان الابن - الذي تعلم عزف العود، وبرع فيه بعد سنوات من التدريب- قد أدّى مقطوعاته أمام الأصدقاء والزملاء في رحلة إلى حديقة في مدينة خليجية، مازحه أحدهم وطالبه بموسيقى "هجايص". أحس الابن بالغيظ وشعر أن عزفه لم يُحترم، وقال لوالده إنه لن يعزف في الحديقة ثانيةً. فرد الأب: ألم تلاحظ أن فتاتين صغيرتين ظلتا تستمعان إلى العزف وصفقتا لك طويلاً؟ قال نعم، وهنا حكى الأب القصة لابنه.

تعليق آخر على القصة كان "حقا.. يفوتنا الكثير".

استدعى هذا التعليق في ذهني مشاهد متتابعة؛ مسرح للأطفال في مكتبة عامة صغيرة قُرب الدوّار الأول، في جبل عمّان وأمينة المكتبة أم عماد، وبناتها يعلّمننا كيف يسير الممثل على المسرح. وفي جامعة القدس في فلسطين، قرب جدار الفصل، وكنت أزورها وابنتي طالبة المدرسة، دخلنا متجراً صغيراً، واشترينا هدية. يومها أذهلنا الشاب وهو يصر على انتقاء أجمل ورق للف هدية هي مجرد كوب خزفي! وحدد الورقة بمعرفة صلتنا بالشخص وتقدير سنه، كان رغم وجود زبائن آخرين كمن يرسم لوحة، ويضع قطع "حلوى"، في ثنايا الورقة!. لا يعرفنا، لكنه ترك في حياتنا نغما.

يومها وبعد أن جُلنا الساحات، دخلتُ دون موعد لأزور مكتب أستاذ درّسني قبل عشرين عاما في الجامعة الأردنية. بعد انتظار أمام مكتبه المُغلَق جاء ولم يعرفني إلا بعد جهد. أجلسنا في المكتب وذهب لقضاء أمر ما. دخلت سيدة بثوب فلسطيني مطرز، تعمل في الضيافة والتنظيف، وقالت "أتشربان شاياً مع نعنع؟ أم قهوة؟". اعتذرت وقلت: لننتظر صاحب المكتب، فقالت "وهل يحتاج كوب شاي ونعنع الانتظار؟". أشعرتني أنّها سيدة الأرض، وأنّ لطف الإنسان مع الإنسان لا يحتاج انتظارًا وإذنا، (شعرتُ بوطن).. تركَت في روحنا نغماً، حتى وأنا ألقي التحية على أستاذي المشغول وأغادر قبل وصول الشاي.

ويوماً، خرجتُ من مبنى الرئاسة في جامعة بيرزيت، وهي زيارتي الوحيدة لها حتى اليوم. كان المشهد قادمًا من السماء؛ كانت موظفة الأمن التي استأذنتها قبل دخول المبنى بلا موعد، تقف على بعد خطوات من الباب، وكانت الغيوم السوداء تُظلّل النّهار، وأول نقاط المطر في ذلك العام تغسل شجر الصنوبر. كانت رأسها مرفوعة للسماء، ويداها مفتحوتان كمن يصلي. عندما التفتت بشعرها المجعد الأسود، ورأتني أخرُج من المبنى، قالت لي وهي تخفض عيناها إلى الأرض وفيهما شبه دمعة وحياء: أليس المطرُ جميلا؟ 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 24-2-2012

الارشيف