خضر عدنان وتغيير قواعد "العصابة"

 

تقول الصحافية الإسرائيلية في "هآريتس" أنّ عملية الاعتقال الإداري في سجون الاحتلال تتحول إلى لعبة تخمين، أحد الطرفين فيها معصوب العينين. ولعل الوصف الأدق أنّها لعبة فيها طرف مُقيّد ومعصوب العينين، قد يصفعه الجلاد في أيّة لحظة. وإذ تتساءل أميرة هاس، متى بدأ خضر عدنان إضرابه؟ هل عندما هددوه بإيذاء عائلته؟ أم عندما سمع الشتائم لزوجته؟ أم عندما شدّه السجّان من لحيته؟ أم عندما مرر المحقق إصبعه فوق حذائه ثم عبث بشاربي خضر؟ أم عندما منعوه من الصلاة؟ ثم جاء موضوع الاعتقال الإداري ليشكّل سببا آخر للإضراب، فإنّ لإضراب خضر وفكّه، معانٍ وطنية وسياسية، ولا يجب أن تأخذنا الحماسة والتعاطف دون فهم دروس ما حصل ومعناه.

من المؤمل أن يحتفل الفلسطينيون بخروج خضر من المعتقل يوم 17 نيسان المقبل، الذي يصادف يوم الأسير، وذكرى استشهاد عبدالعزيز الرنتيسي، وبعد يوم من ذكرى استشهاد خليل الوزير، وبعد أسبوع من ذكرى استشهاد كمال ناصر، وكمال عدوان، وأبو يوسف النجار وزوجته، في بيروت عام 1973، ولكن هُناك مهاما مع الاحتفال، لم تُستكمل.

من الناحية الوطنية والنضالية، فإنّ خضر هو ابن "حركة الجهاد الإسلامي"، وهو تنظيم ولد خضر في سنوات تأسيسه، وها هي الحركة تمضي في عقدها الرابع برهاناً على استمرار القضية والمقاومة، وإذا كان هذا التنظيم من أشد المتمسكين بالكفاح المسلح، وربما يكون خضر كذلك، فإنّ الأخير خطّ صفحة ناصعة في المقاومة السلبية والمدنية بصومه عن الكلام والطعام أثناء التحقيق. من ناحية ثانية، قدّم خضر درساً في ترتيبات الإضراب عن الطعام، فهو بإضرابه بمفرده حرّك العالم والشارع، ربما أكثر مما حركته إضرابات جماعية عن الطعام. والواقع، وكما أشرتُ في مقالي الجمعة الفائت، فإنّ التجربة الإيرلندية أثبتت أن إضرابات فردية بأسماء مناضلين محددين لديهم الصلابة الكافية للاستمرار للنهاية، قد تؤدي لنتائج أكثر نجاعة من إضرابات جماعية، يَصعُب الاستمرار فيها كثيرا، ويتوزع التعاطف بشأنها على عدد كبير من المعتقلين، ولا يتحقق من خلالها إبراز أيقونات وأسماء نضالية رمزية محددة، كما حصل مع خضر، إلا في حال استشهادهم.

من جهة ثانية، فإنّ ما حصل هو تسوية انتصر بموجبها خضر، من زاوية أنّ لعبة المحقق الطّليق، والمُعتقل المعصوب العينين الذي ينتظر الصفعة انتهت في حالة خضر؛ والمقصود بالصفعة التي يتلقاها المعتقل هي موضوع تجديد الاعتقال، دون إبداء الأسباب، كما يجري عادة، فيقضي المعتقل أيامه قلقا، يتساءل ماذا يفكر الجلاد الإسرائيلي؟! وما حصل عليه خضر هو تعهد بعدم تجديد الاعتقال. ولكن إسرائيل تفادت بموجب هذا الترتيب انعقاد الجلسة المقررة أول أمس في المحكمة العليا الإسرائيلية، للنظر في التماس خضر بشأن قانونية تجديد اعتقاله، وهو ما كان يمكن أن يتحول في حال حدوثه (رغم صعوبة تحققه) إلى تشريع قانوني يمنع فكرة التمديد الأعمى للاعتقال الإداري، وربما هز فكرة هذا الانوع من الاعتقال ككل.

سجل خضر سابقة بطولية ستجعل الإسرائيليين يترددون وهم يفرضون الاعتقال الإداري، أو تمديده، ولكن هذا لم يوقف أو يمنع هذا الاعتقال رسميا وإلى الأبد.

هناك ثلاثة أمور يجدر فعلها الآن؛ أولها أخذ الدروس من إضراب خضر، لتطبق في أي إضرابات جديدة، ومن ذلك فكرة الإضرابات المتدرجة والطوعية وعلى دفعات لأعداد محدودة، تتحول لرموز نضالية، وتحافظ على حفز نشاط يومي لمن هم خارج السجن. أي أن يصبح هناك أكثر من خضر، بدل أن يُضرب آلاف بصدى لا يزيد كثيرا عما أحدثه خضر. والثاني، أن يُواجَه الاعتقال الإداري باحتجاجات من قبل المعتقلين، بوسائل مشابهة، بحيث ينقلب هذا الاعتقال من وسيلة مريحة للسجان الإسرائيلي للاعتقال دون محاكمة، إلى مدعاة حقيقية للقلق والمتاعب. والثالث، تصعيد الحملة السياسية، والإعلامية، والقانونية، لاستكمال معركة خضر ضد هذا النوع من الاعتقال، مع الأخذ بالاعتبار أنّ هناك معتقلين يطالبون بموقف فلسطيني شامل يرفض أي شرعية للمحاكم الإسرائيلية، ويرفض المثول أمامها، وهذا النوع من القضايا يمكن العمل فيها في إطار عابر للفصائل، أو حتى بعيدا عنها.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-2-2012

الارشيف