المسألة الدحلانية

 

تعتبر مسألة "محمد دحلان" من أكثر القضايا إثارة للاستغراب والتساؤل في التطورات الفلسطينية المعاصرة. وفيها عدد هائل من الأسئلة الشائكة والغريبة؟

لقد عيّنت اللجنة المركزية لحركة "فتح" آمال حمد، هذا الاسبوع، عضوا فيها، وبينما تقول المصادر المختلفة أنّ هذا التعيين لاستبدالها بمحمد دحلان، يقول جمال محيسن، عضو اللجنة "لم نعين احدا مكان محمد دحلان، وبالتالي هناك شاغر في اللجنة المركزية، فعيّنا الأخت أمال حمد في ذلك الشاغر، ولم تعين مكان محمد دحلان"، وهو تصريح غامض يعكس حالة الغموض الشامل التي تعيشها حركة "فتح". فإذا كان الشاغر حصل بإقصاء دحلان فلماذا المواربة؟! وهل نفهم أنّها كانت ستعين حتى لو استمر دحلان؟

لا زالت الأسباب والقواعد الحركية التي أدّت لإقصاء دحلان ومقربين منه غامضة، فإذا كان ذلك يتضمن اتهامات بمخالفات قانونية وجرائم، فلماذا لم تنظر أمام القضاء حتى الآن؟ ألا يعزز هذا اتهامات البعض أنّ المشكلات شخصية؟! ولماذا تبقى ملفات غامضة ومليئة بالشبهات تلطّخ صفحة حركة "فتح"؟ ولماذا هذه الهلامية في الهيكلية والعضوية؟! ولعل الأخبار الحالية عن الحركة تؤكد هذه الهلامية، ومن ذلك مسألة الإصرار على أن محمود عبّاس هو المرشح لمرحلة المقبلة، فلماذا؟. هناك أسباب كثيرة للدفاع عن عبّاس كشخص، وعن دوره التاريخي، ولكن لماذا يجب أن يستمر؟ هناك أولا عامل السن الذي يثيره عباس نفسه، (وهذا يحسب له)، ثم إنّ طي صفحة الفشل في المفاوضات وغيرها يحتاح للتجديد. وأي رسالة غريبة هذه التي تقدمها "فتح" عن نفسها بأنّ بدائلها محصورة في شخص غير راغب بالاستمرار؟ أو بشخص من خارجها (سلام فياض)؟

بالعودة إلى ما قبل مرحلة "نهاية دحلان"، فإنّ على أعضاء المؤتمر العام لحركة "فتح" والآن المجلس الثوري، أن يحاسبوا أنفسهم، فهم الذين أوصلوه للجنة المركزية، ومضى دوره في غزة دون محاسبة. مضت الاتهامات ضد ممارساته هناك بلا محاسبة تنظيمية، ومضت الخسارة العسكرية والتنظيمية دون محاسبة، بل كوفئ بعضوية المركزية، واكتفى المؤتمر حينها بخطاب دافع دحلان فيه عن نفسه، واتهم  فيه آخرين، فانتخبوه ولم يحاسبوه ولم يحاسبوا غيره، إن كانوا مسؤولين عمّا جرى!

وقبل ذلك؟

هل تعود خلافاته مع محمود عبّاس، حقا، لجولات التفاوض مع الاحتلال، من مثل الخلافات أثناء جولة واي بلانتيشن (1998)، وأنّ تحالفا مؤقتاً قام بينهما؟ لماذا لا يوجد من يوضح ما حصل؟!

هناك حديث عن علاقات دولية وإقليمية كثيرة لدحلان مع أجهزة أمنية عربية وغربية، وعن استثمارات خارجية كبيرة، وبعض التفاصيل والتحركات وأماكن إقامته ومساعديه في مرحلة ما بعد إقصائه تعزز هذه الاتهامات! ولكن لا أحد يقدم إجابات شافية.

لا يتردد مقربون منه، وبعضهم كانوا أساتذة وقادة له يوماً، وهم قيادات تاريخية في المسيرة الفلسطينية، بغض النظر عن أي اتهامات ومقولات بشأنهم الآن، بعضهم يردد اتهامات تريدنا أن نتخيل أنّ "محمد" صاحب مشروع مقاومة رافض للمفاوضات؟  وهو أمر يصعب أن يصدقه أحد الآن. تماما كمحاولة بعض صفحات "الفيس بوك" المحسوبة على دحلان تسويقه باعتباره استمرارا لياسر عرفات، فتؤذيه بالمشاهد التي تضعها أكثر مما تفيده. فهناك تركيز كبير على صوره مع عرفات، وأحد المشاهد مثلا هي فيلم فيديو تتعاقب فيه مشاهد عرفات ودحلان، ولكن التباين في المحتوى كبير، فنرى عرفات مثلا يقبّل رِجل جريح بُترت، يعقبها صور دحلان ينزل من سيارة فارهة، بأناقته المعهودة، يتحدث على الهاتف، تحيط به حراسات ترتدي بدلات أنيقة! (وهي من الصور المفضلة لدى أنصاره)، وهذا يقود للتساؤل عن جردة حساب لدحلان وآخرين كُثر.

يريد البعض أن نصدق أن دحلان قائد ومؤسس لحركة الشبيبة الفتحوية في الضفة الغربية وقطاع غزة، (كما في صفحته على ويكيبيديا)، والبعض يربط اسمه بعملية مفاعل ديمونا النووي، الشهيرة عام 1988، وكل هذا في إطار حالة من الشائعات والجدل الذي يبدو مقصودا. ودون إجابات واضحة من أحد.

كثيرون يسعدهم خروج دحلان من المشهد، وهذه السعادة لرفضهم السياسي له، ولكن عملية إنهائه، لا تقل غموضا وفوضى عن صعوده، والضرر متزايد في الحالتين. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 22-2-2012

 

الارشيف