حكومة عبّاس الثانية وجولة هنية الثالثة

 

يدرك القارئ لتصريحات وخطط مساعدي رئيس الحكومة في غزة، اسماعيل هنية، أنّهم ليسوا في وارد ترك مواقعهم قريبا، ولا يعتقدون أنّ حكومة محمود عباس المتفق عليها في الدوحة، ستتشكل، وأنّ ذلك يحتاج إلى أشهر على الأقل. في المقابل تقدّم تصريحات عبّاس ذخيرة لمعارضي المصالحة داخل "حماس".

تعكس تصريحات في مصادر مختلفة ليوسف رزقة، مستشار هنيّة السياسي، أنّ طاقم الأخير يضع خطط عمل لأشهر عدّة مقبلة، وأنّ هنيّة يستعد للقيام بجولة خارجية ثالثة، تلي الجولتين السابقتين، وأنّه "سيجري ترتيب هذه الدعوات في فترة لاحقة"، ومن الدول التي سيزورها ماليزيا. وفي تصريحات صحافية منفصلة يرد رزقة على سؤال "إن كانت حكومة التوافق سيتم تشكيلها قريباً؟". بالقول:" الأمر يحتاج إلى صبر ونجاح ملف سيتبعه خطوة في العمل في ملف آخر". وقال إنّ ملف المصالحة مكون مما يقارب ستة ملفات منها: ملف الحكومة، وملف الحريّات، وغيرها من الملفات". وأنّ لقاء القاهرة المرتقب (الخميس المقبل) ربما يعمل على  "تفكيك جزئي لهذه الملفات وحينما يتم نجاح اللقاء والعمل على تشكيل الحكومة سيتم من خلالها إحداث تأثير إيجابي".

المهمة الأساسية للحكومة المرتقبة هي ترتيب الانتخابات التي يجدر أن تنهي إلى حد كبير الجدل حول شرعية الحكومات الحالية في رام الله وغزة، وحول موقع الرئاسة. ولكن التخطيط من قبل هنية لهذه الزيارات بعد أشهر، (في موعد يفترض أنّ الانتخابات ستجري فيه)، يؤكد عدم الاكتراث أصلا بموضوع الشرعيّات. وهذا الاستنتاج يعززه تصريح حنا ناصر، رئيس لجنة الانتخابات، المشكلة بموجب اتفاق "فتح" و"حماس"، أنّ هناك عقبات أمام عمل اللجنة في غزة.

في الجهة الأخرى لا أخبار عن بدء عباس تشكيل حكومته، وبعض التفسيرات أنّ هذا الأمر ينتظر الاتفاق على الانتخابات وموعدها وأنّ هذا لم يحدث. ولكن تصريحات عباس الأخيرة أن الحكومة المقبلة "ستكون ملتزمة بالتزامات منظمة التحرير الفلسطينية والاتفاقات التي وقعتها"، وأن "برنامجها السياسي سيكون مستمدا من برنامج سيادته"، كما نقلت وكالة أنباء "وفا" الرسمية، يساعد على تعزيز الرافضين لحكومته داخل "حماس" ويعطيهم مبررات للرفض، وهو أيضاً تصريح غير دقيق، فالحكومة يفترض أنها تّوافُق بين الفصيلين، ولا تعكس برنامج عبّاس وحده. ومن الممكن القول أن لا برنامج سياسي لها، ويُكتفي بالتركيز على دور الحكومة بالانتخابات، بل وأن تُجدد التصريحات بشأن مراجعة طبيعة العلاقة بين السلطة والاحتلال، ورفض أن تكون السلطة جزءا من الحفاظ على الأمر الواقع الراهن كما تريد إسرائيل.

إلى ذلك تتوالى تصريحات قيادات "حماس" مثل نائب رئيس المجلس التشريعي، أحمد بحر أن الجمع بين منصبي رئيس السلطة ورئاسة الوزراء مخالف "للقانون الأساسي الفلسطيني"، وتأكيد محمود الزهار مرة تلو أخرى وجود خلافات داخل حماس بشأن تولي عباس الحكومة. بالمقابل تتهم "حماس" السلطة في رام الله بالاستمرار بالاعتقالات، وبينما لا يذكر أحدا المعتقلين في غزة، فإنّ أحداً لا يوضح حقيقة وضع معتقلي الضفة.

ما يتجاهله الطرفان أن لا شرعية لأي منهما للاستمرار في مواقعه الحالية، فمن حيث المدة الزمنية انتهى التفويض الانتخابي للجميع، ومن ناحية الفعالية فإنّ أيا منهما لا يمارس أبسط مهامه بالتواجد على كامل الأراضي التي يدّعون تمثيلها، والتقاسم لا يمنح الشرعية لأي منهما؛ فحماس تفشل في ممارسة مهام الحكومة في الضفة، حيث تدّعي أنها القوة المنتخبة هناك، وفتح تفشل في التواجد في غزة. وفي كل الحالات يَغرَق الإنسان الفلسطيني في مشكلات يومية، فمثلا رغم أنّ جولات هنية للخارج أصبحت حديثا مملا، فإن مشكلة الكهرباء في غزة تتفاقم، ولا تستفيد من الجولات. كما يبدو المشهد نوعا من كوميديا سوداء، فبينما يتراجع أي حديث جدي عن المقاومة، بأي نوع، وبينما تتراجع حدة الخلاف بين الفصيلين نسبيا، تنتقل الخلافات إلى داخل الفصائل نفسها، فهناك القصة الدحلانية التي لم تنته فصولها في "فتح"، وهناك الآن خلاف اتفاق المصالحة داخل "حماس". وبين هذا وذاك لا يواجه الطرفان حقيقة أنّ الإنسان الفلسطيني قد يبحث عن بديل عنهما قريباً. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 21-2-2012 

الارشيف