"عريقات ليكس"

 

في الذكرى الأولى لاستقالته، عَقب نشر قناة "الجزيرة" وثائق وحدة دعم المفاوضات الفلسطينية، أصدر صائب عريقات دراسة بعنوان "الرباعية الدولية والمبادرة الأردنية، وما بعد يناير/ كانون ثاني 2012؟ الدراسة رقم 9، تشرين أول 2011- شباط 2012". وكُتب على غلافها: "مقدمة من الدكتور صائب عريقات، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، رئيس الوفد الفلسطيني لمفاوضات الوضع النهائي". والدراسة مروّسة باسم (منظمة التحرير – السلطة الفلسطينية – مكتب المفاوضات)، وفي واقع الأمر أنّ أول تساؤل يتبادر للذهن، ليس فقط ما هو المنصب الذي استقال منه عريقات والذي يستمر في أداء دوره من خلاله؟ وهل يستمر في موقعه كغيره من رئاسة ومجلس تشريعي، وحكومتين في الضفة وغزة، جميعهم إمّا مستقيلون، أو مُقالون، أو انتهت ولايتهم الانتخابية؟ ولكن السؤال أيضا لمن قُدمت؟ ولماذا يشير عريقات إلى منصبه الفصائلي في "فتح"؟

تزيد طريقة التقديم هذه من غموض مرجعية عريقات، ويجد قارئ الدراسة التي هي أقرب للتقرير كما لو كانت موجهة "لمن يهمه الأمر" والإعلام، وليس إلى جهة محددة مؤسسيّاً.

والتقرير (الدراسة) أشبه بنشر استباقي للوثائق حتى لا تزعم جهة ما حيازة وثائق سرية. وبعض الوثائق المنشورة في ملحق الدراسة مصنّفة أنّها سرية، وقد يزعم البعض إن حصل عليها أنّها "خبطة" إعلامية. فموضوع الحملة الإسرائيلية على الرئيس عباس مثلا، يمكن لمن يشاء أن يقتطع منها أنّ وزير خارجية إسرائيل ليبرمان يدّعي في رسالة مبعوثة لهيئات دبلوماسية دوليّة، أنّ عباس طلب من إسرائيل المضي في حربها على حماس، ويتجاهل ما جاء فيها من أنّ عباس عقبة السلام الأولى، وأنّه متشدد في المفاوضات، وأن يتجاهل رسالة مضادة يعتبر فيها عريقات الحديث عن تأييد عباس حرب إسرائيل على حماس تحريضا كاذبا للشعب الفلسطيني ضد عباس. ومما جاء في رسالة ليبرمان أنّ شارع مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، سُمي باسم القائد القسّامي يحيى عياش!

وتكشف أو تؤكد "الدراسة" مواقف لافتة، فمثلا اقتُرح في لجنة مبادرة السلام العربية ربط التحرك بعد 26 كانون ثاني 2012، بعقد قمة عربية، بينما شكك عباس بإمكانية انعقاد قمة في الظروف الراهنة. كما تكشف الدراسة أنّ الكونجرس الأميركي في النهاية لم ينفذ تهديداته بقطع المساعدات عن السلطة بعد تقديم طلب العضوية للأمم المتحدة العام الفائت، ولكنه ربط تقديمها في 2012 بعدم تقديم أي طلب للعضوية في هيئات أممية.

تلخص الدراسة استراتيجية العمل الفلسطيني، ولكن القارئ يخرج بحقيقة عدم وجود استراتيجية! وما فعله عريقات مجرد استقراء لخطوات ومواقف فلسطينية، ولخصها باعتبارها الاسترايتجية.

لا تتحدث الدراسة عن المفاوضات والدبلوماسية وحسب بل وعن المصالحة، والمقاومة الشعبية، وبناء الدولة، باعتبارها قضايا متكاملة، ولكن هذا يثير أسئلة من نوع كيف ستستمر المفاوضات إذا أصبحت "حماس" جزءاً من المرجعية، وهل ستناقش هذا التقرير؟ ولعل مما يوضح الافتقار للاستراتيجية الفلسطينية، بمعنى وجود خطط عمل مركزية مؤسسية، أنّه ورد في بداية الدراسة أنّ المقاومة الشعبية جزءٌ من الاستراتيجية، وفي نهايتها دعوة لتشكيل لجنة من الفصائل الوطنية وحركة حماس لوضع استراتيجية للمقاومة الشعبية السلمية. كما أنّ هناك شقا دعائيا في الدراسة كالإشارة إلى إشادة البنك الدولي بإنجازات السلطة في مجالات الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والمُساءلة والشفافية والمحاسبة، وأنّ أيّاً من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تصل هذا المستوى. ويرقى هذا إلى نوع من "بيع الوهم"؛ فهل يعطي البنك شهادات في حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية؟. ثم لماذا لم يشر إلى الأزمة المالية الراهنة التي تناقض وعود الاستقلال الاقتصادي؟ وإلى تقارير سلبية عن حقوق الإنسان في الضفة؟

 إحدى توصيات عريقات، التقدم بطلب "دولة غير عضو" في الجمعية العامة، بالتوازي مع طلب مجلس الأمن للعضوية الكاملة، وربما يكشف هذا أحد معالم التحرك الفلسطيني المقبل.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 20-2-2012 

الارشيف