كهرباء غزة والانفكاك عن الاحتلال

 

يَدرُس الطّفل في المدرسة أنّ الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بنى خطة غزوة بدر (عام 624 م)، على أن يحول بين الأعداء والماء. ثُم يتعلم بعد أن يَشُبَّ قليلاً حديث الرسول عليه الصلاة والسلام "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثلاث: في الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ"، ويَعرِف أنّ هذه من أساسيات الحياة لذا هي خارج قواعد السوق. ودون نقاش التفاصيل، هذه الأمور استراتيجية في أي صراع، وتركها في يد الأعداء وصفة للهزيمة.

تتفق الفصائل الفلسطينية المختلفة على رأي مفاده أنّ على الاحتلال الصهيوني تَحمُّل مسؤولياته، في غزة، ولا يجوز إعفاؤه منها، وتستخدم هذه المقدمة، لرفض فكرة فك الارتباط التجاري مع الكيان الصهيوني، وللتقليل من شأن فكرة استبدال معابر تجارية رسميّة مع مصر بالمعابر التي تسيطر عليها "إسرائيل"، وبالأنفاق بين القطاع ومصر.

حتى لو افترضنا جدلا أن المعابر مع إسرائيل وتوفير متطلبات معينة للحياة في غزة من مسؤوليات الاحتلال، فإنّ الانفكاك عنها يبقى مهمة عاجلة، ويبدو غريباً الحديث عن مقاومة إسرائيل، (بغض النظر عن نوع المقاومة)، ونحن ننتظر ضوء الكهرباء منها. أو ندّعي أن غزة محررة، وهي لا تستطيع إدخال البشر والوقود والبضائع إليها.

قال مصدر مسؤول عن الطاقة في غزة، قبل أيام، "يؤسفنا أننا غير قادرون على تغطية احتياجات المستشفيات والمرافق التعليمية وشبكات ضخ المياه والصرف الصحي وكافة مناحي الحياة بالكميات اللازمة من الكهرباء". وأضاف أن كمية الكهرباء التي تدخل إلى قطاع غزة عن طريق الشركة الإسرائيلية لا تفي إلا بنسبة 35% من احتياجاته. وأشار إلى وعود مصريّة متكررة من المسئولين باستمرار تَدّفُق الوقود، ولكن هذا الأمر لم يتم. ويُجمع المعنيون بالأمر على أنّ الحل الجذري والنهائي للأزمة "يكمن في ربط كهرباء غزة بمصر، ضمن مشروع الربط الإقليمي المُقر من جامعة الدول العربية منذ أكثر من عامين".

لقد كانت مصر مسؤولة عن قطاع غزة عندما وقع تحت الاحتلال، ومن الطبيعي الآن وهناك محاولات لاستكمال تحرير القطاع أن يعود الارتباط مع مصر، وعبرها، بأكبر قدر ممكن. أو بكلمات أخرى أن يعود الوضع لما كان عليه قبل العام 1967، من زاوية الانفصال التام عن إسرائيل، فهل كانت المعابر موجودة قبل ذلك العام؟ وهل كان ثلث الكهرباء يأتي من الاحتلال؟. الانفكاك عن إسرائيل هو استكمال لعملية التحرير، وتكفي هذه المهمة لتبرير المصالحة الفلسطينية، بعيدا عن جدل الحكومات والمناصب.

ألا تستحق حاجات الإنسان الأساسية من الفصيلين الفلسطينيين "فتح" و"حماس"، ومن الدول العربية أن تجعل فك الحصار وتنمية قطاع غزة بما يؤمن حاجات الإنسان الأساسية، أولوية، خارج نطاق حسابات السياسة، إلا موضوع الانفكاك عن إسرائيل؟.

مطالبة إسرائيل بتعويضات عن مسؤولياتها يمكن أن يتم عبر الأمم المتحدة، والمحافل الدولية، ووفق عملية مدروسة، أما قطاع غزة فلا بد أن يقطع أي علاقة مع أعدائه، وينهي اعتماده عليهم، وإذا كان هناك موقف عربي وإسلامي فإنّ فتح الحدود مع مصر ممكن، مع العمل على تأسيس ميناء بحري، حتى ولو بإشراف دولي، ولا تكون المعابر مع إسرائيل إلا فيما يتعلق بالتواصل مع الضفة الغربية.

في رسالة أرسلها شاب فلسطيني في غزة إلى إعلاميين وناشطين في أكثر من بلد، ووصلتني، طالبَ "بالتّضامن إعلاميا، وإحداث (بضجة)، لإحراج الحكومات في غزة والضفة الغربية، باعتبار الكهرباء، قضية مواطن، وليست قضية سياسية". واتهمت الرسالة الحكومتين في الضفة والقطاع باستثمار الأزمة. ودون الدخول في التفاصيل، حتى لا نقع في الجدل الفصائلي، تُطالب الرسالة، أن يكون قطع الكهرباء عمّن يمتنع عن دفع فاتورتها، وليس عن الجميع، ويقول إن الكهرباء تصل 8 ساعات يوميا فقط، ويختم بعبارة طريفة ومريرة، في آن: "يا جماعة الكهرباء شيء جميل جداً".

توفير وقود بديل حاليا وعاجلا عبر مصر، وبدعم عربي، لقطاع غزة، ثم الربط مع مشروع الكهرباء الإقليمي لينتهي الأمر خلال سنوات، هو جزء من تحرير فلسطين. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-2-2012

الارشيف