البقرة الحمراء وبناء الهيكل

 

لو سلمنا جدلا بما ادّعاه موشيه فيغلين، الذي خاص مؤخرا الانتخابات على رئاسة حزب الليكود الحاكم، وحصل على 25% من أصوات الحزب بأن لا علاقة له بالبيان الذي وزع باسمه، ودعا اليهود لدخول منطقة الحرم القدسي، الأحد الماضي، "وتطهيره من أعداء إسرائيل الذين سرقوا الأرض، ولبناء الهيكل الثالث على أنقاض المساجد"، فإنّ السؤال سيبقى لماذا لم يستغل أحد الدعوة؟ خاصة أن نفيه جاء متأخراً، ولم يحاول دخول الحرم سوى أربعة أشخاص، كان فيغلين أحدهم، ومنعتهم الشرطة فانصرفوا؟.

في الماضي كان جميع الحاخامات تقريبا يحظرون على اليهود زيارة الموقع. والواقع أن بعض المتدينين سعى عام 1967 إلى تفجير قبة الصخرة، ولكنّ كبار الحاخامات عارضوهم وأمروهم بإنزال العلم الإسرائيلي عن القبة؛ ويوضح أحد قادة المجموعة، كما ورد في كتاب جيروشوم جونبيرج، (اليوم الآخِر) أنّ أحد "المصاعب الروحية" التي واجهتهم كانت الحظر الديني الذي يمنع دخول "جبل الهيكل" بسبب عدم الطهارة؛ وهو معتقد يهودي يقوم على عدم طهارة من مس جثة ميت أو جزءاً منها، فلا يسمح له بدخول الهيكل، وأنّ المذابح التي تعرض لها اليهود جعلتهم جميعا كذلك.

أحد شروط بناء الهيكل هو ظهور بقرة حمراء تماماً، يكون حرقها بطقوس خاصة في سن معينة، وسيلة التطهر. وفي العام 1996، أُعلن أنّ البقرة ظهرت في مستوطنة "كفار هاسيديم"، وهو ما عُدّ حينها حدثا جللا، حظي بتغطية إعلامية هائلة من صحف مثل بوسطن غلوب، الأميركية، وتلفزيونات "سي إن إن، وإي بي سي، وسي بي إس"، ومحطات يابانية وهولندية وفرنسية، وزارها يهود من أنحاء العالم، وأفراد طوائف مسيحية صهيونية أمريكية، وهو ما يعكس جديّة الأمر. وكان ظهور البقرة يعني أنه مع عام 1999 يُصبح بالإمكان الشروع ببناء الهيكل، ولكن عندما بلغ عمر البقرة العام والنصف، ظهرت في جسدها شعرات بيضاء مما جعلها لا تلبي الشروط.

على أنّه يجب تذكُر أنّ الموقف الديني اليهودي الأصولي، مثلا، أنّ الدولة اليهودية لن تقوم إلا بعد ظهور المسيح، ولهذا عارض اليهود الأصوليون الفكرة الصهيونية، ولكن يهود متدينين تبنوها، وبرروا في نهاية القرن التاسع عشر تأسيس الدولة، باعتباره تمهيدا لظهور المسيح. ويمكن دائما الخروج بتفسيرات دينية تلائم الأغراض السياسية. وفي الأعوام الأخيرة تبنت حركة أصولية مثل "شاس" مواقف متشددة ضد الدولة الفلسطينية وقضايا أخرى لم تكن تكترث بها سابقا، ولكن الحسابات الانتخابية تجعلها تفعل، وبالتالي فتغيير الموقف في قضايا كالهيكل ممكن.

فيغلين متدين، ويحاول الوصول إلى قيادة إسرائيل من خلال "الليكود"، الذي يفترض أنّه حزب علماني صهيوني. ويعطي هذا مؤشرا على تصاعد الحركة الصهيونية الدينية المؤيدة لهدم الأقصى. ولكن ضعف التجاوب معه، ربما مؤشر أنّ القوى الأصولية اليهودية، لو قررت تغيير موقفها، فلن تسمح لقوى سياسة من خارجها، حتى لو كانت متدينة، باستلام زمام المبادرة. ومن سيناريوهات التغيير المحتملة في المواقف مثلا، الدعوة لهدم مساجد الحرم الشريف، دون بناء الهيكل الآن.

لطالما عُدّ بناء الهيكل قضية خلافية، وجرى تبادل اتهامات بين الإسرائيليين بوجود مصالح مالية وسياسية بشأنها. فقد رفض المدعي العام الإسرائيلي عام 1972 طلب تسجيل جمعية تسمى "جمعية لبناء الهيكل"، هدفها جمع التبرعات لبناء الهيكل، وكانت مبرراته التخوف من أن يكون هدف الجمعية الاحتيال، وأن المؤسسين "يستغلون سذاجة الناس في إسرائيل والخارج، لجمع تبرعات لأغراض ليست لديهم الموافقة أو القدرة على تنفيذها".

ولكن التحولات الدينية السياسية بشأن مستقبل الأقصى يجب مراقبتها بحذر، وقد تحدث تغيرات في المواقف، ففي منتصف الثمانينات مثلا، قامت حركة تسمى (تأسيس الهيكل)، بإقامة عشاء في منطقة الحرم، لمن يرغب، فحضر ثلاثون شخصا، وفي عام 1988، 60 شخصاً، وعام 1997 حضر 1200، وإن تراجعت الأعداد لاحقاً.

وقالت صحيفة "هآريتس" عام 2005 أنّه "اتسعت في السنوات الأخيرة، دائرة الحاخامات الذين يقرّون زيارة اليهود لجبل الهيكل"، وخصوصا حاخامات المستوطنات. أضف إلى ذلك أن المحاكم الإسرائيلية باتت تجيز في السنوات الأخيرة طلبات يهود للصلاة في الأقصى، وهو ما كانت ترفضه سابقاً. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ  15-2-2012

الارشيف