ما الذي يفعله اسماعيل هنيّة؟

 

انحنى اسماعيل هنية، القيادي الطلابي السابق، خريج اللغة العربية في الجامعة الإسلامية بقطاع غزة، عام 1987، المعتقل عام 1989، المنفي إلى مرج الزهور عام 1992، المسؤول السابق في الجامعة الإسلامية، ومدير مكتب الشهيد الشيخ أحمد ياسين، ورئيس حكومة "حماس" الفلسطينية، انحنى كثيرا في زيارته الأخيرة إلى قطر، وقبّل يد يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين. تبرير هذ الأمر والتقليل من شأنه ممكنان، ولكن إلغاء معناه كليّا وتحريم التساؤل حوله غير صحي، ويحرّمه فقط من يضعون قادة "حماس" فوق مستوى النقاش والنقد، ويَرفُضون أنّ هناك اعوجاجا قد يحدث، وأنّ تبيّنه ومحاسبته يكون بحدّ الديمقراطية. قد يبرر الأمر باحترام السن، وقد يُقال إنَّه انحناء غير مخالف شرعا، وأنّه حدث لأنّ القرضاوي حاول تفادي الموقف؟! (هل حصل هذا؟). ولكن هذا كلّه لا يُلغي معنى سياسيّا محتملا لتبجيل القرضاوي بمواقفه السياسية المختلفة. فهل هو احترامٌ يُعبّر عن تأييد سياسي جارف؟ هذا سؤال مشروع، ولا يصح تفاديه بالإشارة مثلا لعلاقات وقُبلات قادة "فتح" مع أمريكان وإسرائيليين، فما هو موضع سؤال لا يُهرب منه بطرح أسئلة أخرى. مسألة جعل عالم دين، له موقع ديني اعتباري، في موضع عالٍ جداً، له معانيه المحتملة من حيث النظرية السياسية التي يتبناها هنية و"حماس"، والتساؤل حول ذلك حق مشروع، فهل هذا إشارةُ تأييد مثلا لفكرة هيئة علماء الدين الذين لهم صلاحيات تسمو على الحكومات والبرلمانات المنتخبة والمجاهدين، التي هي وجه آخر لفكرة الولي الفقيه، والتي وضعها الإخوان المسلمون في مسودة برنامجهم في مصر قبل سنوات وتراجعوا عنها في حينها، ولحسن الحظ غضوا النظر عنها الآن؟.

كان ممكنا تجاهل هذه الأسئلة، حتى رأينا هنية، ينتصب بعد محطة القرضاوي، إلى جانب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ويخطب في ذكرى الثورة الإيرانية لعام 1979. فهل هذه دبلوماسية قديرة، وقدرة على مخاطبة كل طرف بما يناسبه؟!

كيف وفّق هنية بين موقف إيران من سوريا ونظامها، وهل ناقش في طهران موقف حركته وحكومته من ذلك؟ ثُمّ إن ما يفعله النظام الإيراني في حق معارضيه الداخليين، ودعمه النظام السوري، ومعارك الثوّار الإيرانييين بين بعضهم، دفع كثيراً من أشد مؤيدي طهران سابقا من الإسلاميين لتغيير مواقفهم، والحذر من الظهور كجزءٍ من شرعيّة هذا النظام، فماذا يعتقد هنية أنّه فاعل وهم يُقدمونه لعشرات آلاف المحتفلين بالثورة على أنّه قائد فلسطيني يبارك مسيرتهم وثورتهم ودليل إسلاميتها، وما هو موقف ملايين الإيرانيين الذين يشعرون أنّ النظام الإيراني يقهرهم؟! هل هذه برجماتية فلسطينية يمثّلها هنية؟ ومن اتخذ معه قرار زيارة طهران؟ هل هو مكتب حماس السياسي مثلا؟

تزداد شكاوى أهالي غزة من نقص الكهرباء، ومن مشكلات توريد المياه، وتصريف المجاري، ونقص الدواء، ويمكن أن نُحمَل الاحتلال وزر كل ذلك، ولكن رغم هذا بشّر هنية في زيارته الأخيرة لتونس الإسلاميين هناك باجتراح معجزات، فقال لهم إنّه استلم حكومة مَدينة بملياري دولار، ولا يوجد عليها الآن أيّة ديون، فكيف نفهم أزمة الكهرباء إذاً مثلا؟!   

لماذا اختار هنية هذا التوقيت لجولاته بينما يُفترض أنّ حُكومته المقالة، والمنبثقة عن مجلس تشريعي منتهي الولاية، في آخر أيامها، والأصل التمّهل في القيام  بأي التزامات أو إبداء مواقف سياسية؟ وهل من الطبيعي في العرف الدبلوماسي زيارة رئيس حكومة، ورئيس حزبه السياسي دولة واحدة، في ذات اليوم، كل على حدة؟ كما حصل في قطر؟ عندما كان هنية ومشعل هناك، وهل هذه الزيارات مُجرد علاقات عامة؟!

 ما هي التعبيرات الإيديولوجية والسياسية لهذه التحركات؟ وكيف نفهمها إذا تذكّرنا دعم إيران وقبلها سوريا للانشقاقات؟  

في الكويت أنشد هنيّة أمام الجمهور، وقبل أن يبدأ، قال مقدّما لقيامه بذلك "وحينما يكون اللقاء مع الأهل والربع، هناك أمور كثيرة تخرج خارج السيطرة" وكرّر مقولة "خارج السيطرة"، وهذا يدفعنا للسؤال ما الذي كان تحت السيطرة في هذه الجولات، وما الذي خرج عنها؟ ومن يقرر ماذا يفعل القائد الفلسطيني عُموماً، وليس هنية فقط؟ 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 14-2-2012

الارشيف