تحويل غزة إلى فرصة سانحة؟!

 

بغض النظر عن رفض قادة من "حماس" في غزة المصالحة لأنّهم لا يريدونها، كما لم يريدوها إبّان اتفاق مكة، ويريدون الانفصال، أو لأسباب قانونية كما يقول البعض (رغم أنّ أموراً كثيرة بما فيها تنفيذ أحكام إعدام طُبّقت في غزة دون وجود رئيس يصادق على الأحكام)، أو لأنّ قيادة الداخل الحمساوي عاتبة على قيادات الخارج، لعدم مشاورتها؛ فإنّه يجب التغلب على هذا كله بأقل الخسائر، وكذلك التغلب على أي معارضة داخل الأجهزة الأمنية في الجهتين، في الضفة والقطاع.

عندما طرَحت فصائل فلسطينية البرنامج المرحلي في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، فكرة إقامة السلطة الوطنيّة على أي جزء ينحسر عنه الاحتلال، أصرّ قادةٌ ولسنوات أنّ مبرر هذا إنشاء قاعدة مقاومة، وانطلاق الكفاح المسلح لتحرير باقي الوطن. فهل يمكن أن تكون غزة هي هذا الجزء؟

يقف الشعب الفلسطيني، الآن أمام مفترق طرق، فإمّا أن يبقى يراوح مكانه في موضوع المصالحة، والخلاف على هوية حكومة ورئيسها، لإدارة سلطة هزيلة، رغم أنّ مهمة هذه الحكومة هي التحضير لانتخابات تفرز قيادة جديدة، أو التفكير بإيجابية، وأحد مظاهر الإيجابية استكمال تحرير غزة وتحويلها لأول قاعدة عمل وطني فلسطينية مستقلة.

لا أحد يتحدث بطبيعة الحال عن تحول غزة لجبهة كفاح مسلح. وفي هذا لا يختلف موقف "فتح" و"حماس"، على أنّ القطاع لن يكون مكانا أو منطلقا للكفاح المسلح، أو مهاجمة إسرائيل. وقد قال القيادي الحمساوي محمود الزّهار، ذاته، هذا مرارا، منها ما قاله نهاية العام 2010: "نريد غزة هادئة لأننا فعلا حررناها".

توقفت الآن مشروعات المفاوضات، والتنمية تحت الاحتلال، والمقاومة المسلحة. المواطن في الضفة مخنوق تحت وطأة أزمة مالية، وتتراجع الحياة في غزة باستمرار، وسط أزمات ليس أقلها نقص الكهرباء، وفي باقي فلسطين، تُترجم فكرة الدولة اليهودية إلى قوانين وإجراءات طرد للعرب.

لا يجب الانتظار حتى يحسم قادة "حماس" أمرهم ويتناقشوا بشـأن المصالحة، بل يجدر أن تُسارع "فتح" بإرسال الرسُل إلى غزة لاستمالة القيادات هناك، ومساعدة الجانحين للمصالحة وإعادة الترتيب، واستخدام أي وسيط عربي ممكن، للتغلب على أي معارضة للمصالحة. ويجب التغلب على أي نزاع للمصالح أو للهوى، بأكبر حصافة ممكنة؛ باستمالتها، وإقناعها، وحتى إحراجها. وليس هذا بالطبع تلميحا إلى  أنّ الوضع في "فتح" على ما يرام، فمشاكلها كثيرة من ترهّل ومن تعمّق انفراد محمود عبّاس بالقرارات، ومن التخوف من معارضة في أجهزة الأمن في الضفة للمصالحة، ولكن سياسياّ لا يوجد ما يبرر، في فتح، أن يعارض أحد من قياداتها المصالحة، على عكس الوضع في غزة.

غزة لن تكون قاعدة مقاومة للكفاح المسلح، هذا أمر يتفق عليه الجميع، ولكنها يمكن أن تشكل نموذج المنطقة الفلسطينية الأولى المحررة، بوجود فرصة للتوصل لتفاهم مع مصر "الجديدة" لفتح الحدود. ووفق خطة لفصل القطاع عن كيان الاحتلال كليّا، وصولا لإغلاق المعابر التجارية معه، والاستغناء عن الكهرباء القادمة عبره أو بواسطة وقود يوفره (يبيعه)، والارتباط بدلا من ذلك بالمحيط العربي.

يجدر العمل على تحويل غزة إلى قاعدة للسلطة والقيادة الفلسطينية، بنقل المجلس الوطني الفلسطيني، ومنظمة التحرير، والفصائل، إلى هناك، لينتقل ثقل العمل الفلسطيني السياسي إلى داخل فلسطين. فضلا عن التعاون لحل مشكلات البنية التحتية والاقتصاد، ووضع مخطط لإنهاء الفصائلية، في أجهزة الأمن، والمؤسسات الحكومية. وجعل البنية العسكرية في القطاع للردع ورفع أي ثمن لمغامرة عسكرية من قبل الاحتلال. ويصبح القطاع قاعدة لإدارة المقاومة الشعبية، والدبلوماسية، والإدارة الاقتصادية، والتنظيمية، لباقي أنحاء فلسطين.

من هنا ربما تشكّل خطوات درامية أمرا مهما، كحسم موضوع المعتقلين في الضفة والقطاع، وزيارة مشتركة، أو حتى إقامة، لمحمود عباس وخالد مشعل، وقيادات أخرى للقطاع، معهم قادة عرب ودوليين، وعقد مؤتمر فلسطيني وطني موسع، أو مجلس وطني فلسطيني "مجدّد" هناك.

البديل عن التفكير "خارج الصندوق" هو أن نبقى نناقش من يريد المصالحة، ومن لا يريدها؟ ومن الأحق بالسلطة، ومن لم تنته شرعيته الانتخابية، رغم انتهاء الولاية الزمنية لسلطة الجميع بلا استثناء. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 13-2-2012

الارشيف