"جثمانية" خضر عدنان

 

كانت تدعو الله أثناء رحلة العودة من الخليل إلى القدس، ألّا يبلّغهم تلك المرحلة. لم أع المعنى الحقيقي للإضراب عن الطعام إلا وأنا أسمع دعاءها، بعد أن أخبرها ولداها المعتقلان، اللذان لم يصلا الثامنة عشرة من عمرهما حينها، أن لا تأتي في موعد الزيارة التالية، لأنّهما قررا وبقيّة الأسرى الإضراب عن الزيارة، وتحدي الأنظمة التي يفرضها السجّان، فلا يروا أهاليهم، ومن ثم سيبدؤون أنواع إِضرابات أُخرى وصولاً إلى رَفض الطّعام. كُنتُ أَزورَهُما في المعتقل للمرة الأولى، ومما علق بذهني من ذلك اليوم عدا روحهما الوثّابة، وقد كان أحدهما قبل اعتقالهما في الصف الثاني الثانوي، والآخر يصغره عاماً، وكلاهما يحرز علامات مدرسية تتعدى 95%، حُكم أحدهما أربع سنوات، والثاني ستاً، علقت في الذاكرة الدموع المخنوقة، في صوت الأم وهي تدعو، ونَحن في سياّرة تحيطنا كُروم عنب الخليل. هل داهمها وهي الأرملة التي فقدت والد أبنائها وهو على سجادة الصلاة، شعورٌ بألم جوع أبنائها قبل أن يبدؤوه؟. بعدها بسنوات داهمتني الفكرة: ماذا كان شُعور جَدّتهما التي فقدت زوجها شهيدا في حرب 1948، وربّت أباهما يتيما، وفقدته شابا، وها هو إضراب الطعام يلوح؟!

تكثّفت المشاهد، وأنا أقرأ هذا الأسبوع أنّ والد الأسير خضر عدنان، من قرية عَرَّابة في جنين، قرر مشاركة ابنه الإضراب عن الطعام؛ ما هو شعوره، وهو يعرف على مدى 50 يوما أنّ ابنه، طالب الدراسات العليا، مضرب عن الطعام؟ بماذا كان يشعر كلما "اضطر" للأكل؟ وبماذا صار يَشعُر عند شرب الماء، بعد أن قرر الابن الامتناع عنه أيضاً، وهو ما يعني موتا قريبا محتما؟!

أثبتت دراسات علمية أنّ من يخسر 22.5 كغم من وزنه في إضراب طعام يمتد إلى 69 يوم، يُصاب بأمراض منها مشكلات في الذاكرة القريبة، والرؤية، وتناسق حركة العضلات. وأَخبَرَني أَسرى سابقون خاضوا التجربة أنّ من التّبعات الشائعة للإضراب الفشل الكلوي. وقد فقد خضر أكثر من 30 كغم من وزنه. دَفَعَ خضر إذن من جسده وصحته وعمره.

لم يكتفِ الجنود الإسرائيليون عندما اقتحموا بيته لاعتقاله بحجة دوره القيادي في تنظيم الجهاد الإسلامي، بقوّة مدججة، ولم يَنتِزعوه بِغُلظَةٍ من أمام طفلتيه وحسب، بل واستخدموا السائق الذي يصطحب والده عادة لسوق الخضار المركزي درعاً بشريّاً أثناء قرعهم الباب. كم ذكرى يحفرونها وشماً مشوّهاً في الأرواح والعقول والأجساد؟

لا يَحتّج خضر على ظُروف الاعتقال وحسب، بل يتحدى نظام الحبس الإداري كلّه، الذي يُعتقل الفلسطيني بموجبه مدةً تصل ستة شهور قد تمدّد مرارا، دون أن يعرف تهمته، وتُقدّم الأدلة المفترضة للقضاة سرّياً، بحجة الدواعي الأمنية. ما يخوضه خضر معركة لتحدى كل فكرة القضاء الصهيوني. هناك 21 نائبا فلسطينيا منتخبا ونحو 300 فلسطيني معتقلون وفق هذا النظام، ولا يعرفون متى سيخرجون وإلى متى سيُمدد اعتقالهم.  

  عندما استشهد علي الجعفري، وراسم حلاوة، واسحق مراغة، في إضراب نفحة 1980، لم يكن عُمر خضر قد تعدى العامين. وقبل عامين، كتبَ لي أسيرٌ سابق شاهد استشهادهم: "كُنتُ سَأكتُب عَنهُم لَيلة النّصر أو ليلة الجلاء، والناسُ يَستجمِعون أَفراحَهُم ويُعلّقون الزّينة عَلى أسوار القدس القديمة، وأبواب المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة. ولا أدري لماذا أكتب الآن؟ ولماذا تتغير فينا المواعيد؟ هل هو احتراق الزمان؟ أم موت الأمنيات البسيطة في دروب الصبر الطويل؟. واعدتُهُم في وادي كدرون تحت زيتونة السيد المسيح وها أنا أطوف حول "جثمانيه" في فضاء الدم المسفوح حول روابي القدس علّني أجد في جلال الموقف عذراً لاختلاف المواعيد".

  الجُثمانية، أو (الجِسمانية) حيث الصخرة التي صلى وبكى السيد المسيح عليه السلام عندها ليلة اعتقاله، على مشارف القدس، وكان معه التلميذ الذي خانه وقدّمه للسلطات.

هل يستمر الصمت، وهم يمشون على درب الآلام؟ يُصبح الصامت صنو يهودا الاسخريوطي الخائن، الذي سيقتل نفسه لاحقاً!.

مع نشر هذه السطور، يفترض أن جلسة محكمة خضر أمس انتهت. هل لا زال خضر على جثمانيته في يومه السابع والخمسين، أم أننا في اليوم التالي؟!  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 10-2-2012

 

الارشيف