حديث الفعالية والشرعية

 

نشر عالم الاجتماع السياسي سعدالدين إبراهيم، مقالا نهاية السبعينيات في دوريّة "المستقبل العربي"، (إن لم تخني الذاكرة)، قرأته نهاية الثمانينيات، يساعد على تصنيف الدول من حيث "الفعالية" و"الشرعية". وبالمحصلة تتفاوت الدول وأنظمة الحكم، بحسب هذه النظرية، فهناك دول لديها شرعية وفعالية مرتفعتان، ودول تملك شرعية ولكن دون فاعلية، وأخرى فاعلية دون شرعية، ودول/ أنظمة دون شرعية أو فاعلية, والشرعية والفعالية بالطبع نسبيتان (بين مرتفع ومنخفض).

في ذلك الحين كانت (ولا زالت) مصادر الشرعية عربيا مختلفة، ولها ألاعيبها، ولكن قواعدها تغيرت الآن. فقد كان هناك من يدّعي ما يسمى بالشرعية الثورية القائمة على مناهضة الاستعمار، ونصرة طبقات الشعب المسحوقة، والتذرع بهذه الشرعية لتبرير عدم الفعالية، هذا إضافة إلى انتهاج لعبة "تضخيم المنجزات"، فيصبح افتتاح مستوصف طبي مناسبة عظيمة. وتصبح زيارة القائد لمدينة ما مناسبة يُحتفَل بها لسنوات (كان هذا يحدث حقًا). في الجهة الأخرى كانت هناك شرعية النسَب، والشرعية الدينية، والقبلية. وحدثت أحيانا محاولات للمزج، فكم مسؤول عربي تحول من الاشتراكية لرفع لواء الإسلام في السبعينيات، وكم زعيم بحث عن نسب وشهادات تعيده للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لأحد الصحابة!.

إذا تمتع نظام ما بشرعية مصدرها صندوق الاقتراع، فإنّه حتى إن كان محدود الفعالية الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، فإنّ هذا يُبرر نظرياً، على الأقل، الصبر حتى موعد الانتخابات الجديدة. ولكن ما حدث في السنوات الأخيرة، أنّ الشرعية الثورية انهارت تحت وطأة عوامل أهمها، أنّ الأنظمة التي كانت تتبنى شعارات اشتراكية وإيديولوجية تخلت عن ذلك بداعي الانفتاح واللبرلة، والتي كانت في ممارستهم نوع آخر من الفساد. وتحوّل الضباط الانقلابيون السابقون وأبناءهم إلى رجال أعمال يشترون الدولة بأثمان بخسة، ويسيطرون عليها. وقد أدى هذا إلى تضييق قاعدة المستفيدين وحصرها في نخبة محدودة من رجال الأعمال والمسؤولين، وإلى صراع أحيانا بين بعض العسكر القدامى ورجال الأعمال الصاعدين، وشركائهم أو حُماتهم من داخل النظام؛ بكلمات أخرى أدى ذلك إلى صراعات داخل النخب المسيطرة. إلى ذلك كانت مقولات تحرير فلسطين والتغيير الثوري تبرّر وجود أنظمة غير فاعلة اقتصاديا، ودكتاتورية سياسيا، ولكن طول الزمن دون تحقق الأهداف، واستمرار عدم الفعالية، ونشوء طبقة تستأثر بالمكاسب وتورثها، وتسحق كرامة الشعوب وحريتها، كل هذا جعل حديث الشرعية الثورية كذبة لا يصدقها أحد.

أمّا الأنظمة غير الثورية، أي التقليدية، البطريركية الأبوية، حيث هناك شرعية دينية، وقبلية، وتوافقية، فقد زادت أهمية سؤال الفاعلية، وفي المجمل كانت هذه الأنظمة أقدر على تحقيق فاعلية تنموية خاصة باستفادتها من النفط، وهو ما عجزت عنه دول ثورية نفطية. ولكن مسألة نظام الحكم الأبوي، والامتيازات القبلية والطائفية، واعتماد الهويات الفرعية لتوزيع المكاسب، وكسب الولاء، أدى إلى تصارع هذه الهويات. كما التحقت نخب في هذه الدول بموجة "اللبرلة" الاقتصادية العالمية، مُحاوِلة البعد عن الاقتصاد المختلط، ورافق هذا فساد كبير، وتحالف بين رجال الحكم والفاسدين. وأدت هذه اللبرلة للشيء ذاته الذي حدث في الدول "الثورية"، حيث نخب قليلة مستفيدة، متحالفة مع البيروقراطية الأمنية والعسكرية والسياسية، وتراجع عدد المستفيدين من الدولة، وتراجع قدرتها على لعب دور رب العمل الأكبر، والذي يقدّم الراتب، والتعليم، والدواء، أي دور الأب الذي يملك كل شيء ويمنح ما يريد. وفي مواجهة دعوات الإصلاح برزت قوى تحافظ على مكاسب، وترفض التغيير، وإذا دعت لتغييرات دستورية فذلك لزيادة مكاسبها وحمايتها. وإذا رفضت اللبرالية فهذا ليس احتجاجا على السائد المرافق، بقدر رفض تغيير قاعدة القوة وتوزيعها في المجتمع. في المقابل برزت نُخَب تطالب بإصلاحات دستورية تخفف من الرعوية، وتعلن السأم من تراجع الفعالية، وعدم المساواة بين المواطنين، والفساد الذي رافق الخصخصة، إضافة إلى أن التعليم ومرور الزمن خفف من جاذبية الشرعيات التقليدية.

في المجمل أصبح حديث الفعالية الاقتصادية والتنموية أكثر أهمية، وأصبح الحديث عن شرعية ثورية أو دينية أو قبلية أقل معنى. وحدثت صراعات بين أصحاب المكتسبات السابقة، وأولئك الذين يريدون فاعلية ويريدون إصلاحات سياسية واقتصادية تجعل الديمقراطية والمحاسبة أساس الحكم.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ  9-2-2012

 

الارشيف