حكومةّ محمود عبّاس الثانية

 

يعتبر اتفاق رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أمس على تشكيل حكومة برئاسة الأخير ليجمع بذلك المنصب مع مواقع الرئاسة الفلسطينية الأخرى (السلطة والمنظمة)، بعد كانت حكومته الأولى عام 2003 بداية الفصل بين المنصبين. هذا الاتفاق بداية خطوة مهمة على صعيد حلحلة المأزق الفلسطيني الداخلي، ولا يعتبر حلا بحد ذاته، وهذا ما يدركه الجانبان الموقعان. وبالتاكيد أنّ خطورة حكومة برئاسة محمود عباّس، هي حل وسط مطروح منذ زمن طويل والآن جرى القبول به بعد تردد. ليس هذا ما تنشده "حماس" ولا حتى ما يرضي "فتح" تماما، كما أنّ المشكلات العالقة في المنتصف ستكون كثيرة. 

ما يحل المشكلة الفلسطينية الداخلية هو تشكيل ديموقراطي لمؤسسات العمل الفلسطيني، يجدد مجمل الشرعيات. وهنا يمكن أن نقول أنّ اتفاق أكبر فصيلين فلسطينيين على مناصب الرئاسة والحكومة يمكن أن يعني شرعية مؤقتة أقوى، خصوصا أمام العالم الخارجي، باعتبار أنّها تحقق وحدة وطنية ولن تملك إسرائيل أو غيرها ادّعاء أن الشعب الفلسطيني مقسّم. ولكن فلسطينيا فإنّ تجديد الشرعية هو عبر الانتخابات، ويفترض أنّ هذه الحكومة وجدت لهذا الغرض. على أنّ الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ليس السلطة الوطنية في الضفة والقطاع بل منظمة التحرير، ويثير نص إعلان أمس تساؤل، هل جرى غض النظر عن انتخابات المنظمة؟ فالنص يقول إنّ اجتماعا سيجري في القاهرة يوم 18 من الشهر الجاري، خاص بتفعيل المنظمة، وأنّه سيجري "الاستمرار بخطوات تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال اعادة اعادة تشكيل المجلس الوطني بشكل متزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية"، فلماذا الحديث عن "تشكيل" و"انتخابات".

أحد أهم متطلبات الإصلاح الفلسطيني في المرحلة المقبلة عدا دخول القوة الفلسطينية غير الممثلة داخل منظمة التحرير إليها، هو الخروج من إطار المحاصصة الفصائلية، إلى شرعية شعبية أكبر، ومن هنا فإنّ الانتخابات وآليات إعادة التشكيل ذات أهمية كبرى.

لعل سفر وفد من "حماس" من قطاع غزة إلى الدوحة، برئاسة محمود الزّهار، للمشاركة في إعلان الاتفاق مهم لأنّه يؤشر على أنّ قبول الاتفاق داخل "حماس" سيكون أكبر مما حدث بعد اتفاق مكة 2007، الذي يصادف يوم غد ذكراه الرابعة. كما أنّ مجموعة متشددة إزاء المصالحة، داخل "فتح" أصبحت خارج الصورة الآن. لكن التنفيذ على الأرض من حيث تعاون الأجهزة الأمنية وإعادة تشكيلها، وهل سيتنازل من في غزة لصالح "فتح"، أو العكس في رام الله لأجل "حماس"، فضلا عن تنازل كليهما لصالح إنهاء الفصائلية في الأجهزة الأمنية والحكومية؟. ولعل استمرار عمل لجان المصالحة مؤشر على أنّ المهمة لا زالت صعبة، وإن كانت ليست مستحيلة. وسيكون منح الأطراف الخارجية مثل مصر والقوى من خارج الفصيلين الأساسيين، من مثل الجهاد الإسلامي وفصائل اليسار، ومصطفى البرغوثي وشخصيات مستقلة، دور في المتابعة والتحكيم والإشراف عامل مساعد على الحلحلة. ومن المعروف أن عبّاس من النوع الذي يصعب عليه قبول الحلول الوسط في موضوع الصلاحيات الإدارية والسياسية، على عكس ياسر عرفات رحمه الله، مثلا، الذي كان يستخدم وسائل فيها مناورة وملاينة ليحصل على ما يريد. أمّا عباس فهو يصر أصلا أنّ الحكومة، أي حكومة هي حكومته، ما دام رئيسا للسلطة، وهذا بحد ذاته أمر خلافي، ولكن بترؤسه الحكومة يتكرّس الأمر ويخشى أن يصر عليه أكثر. وواقع الأمر أنّ الحكومة وقيادة المنظمة، ولحين حل قضية الشرعيات، يجدر أن تأخذ بالاعتبار أنّها ليست حكومة عبّاس حقا، بل حكومة توافق وطني، ذات مهام محددة، أي أنّه وحتى على صعيد المفاوضات، والعملية السياسية، لا بد من استمرار التشاور والتوافق، بما يأخذ بالاعتبار آراء المتوافقين، "فتح" و"حماس" والبقية، وليس طرف واحد. والأصل الإسراع بالانتخابات وإعادة تجديد الشرعيات وتأجيل أي عمليات سياسية جوهرية على صعيد الحل السياسي أو المفاوضات، الموقف من التسوية، إلى حين انتهاء عمليات التجديد، أو أن تجري بحذر وشريطة التوافق التام، بين مختلف القوى الفلسطينية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 7-2-2012

 

   

الارشيف